خَبِيرٌ بَصِيرٌ، (فخزائنُ الأشياء كلها بِيَد اللهِ وحده، يُعطي منها مَن يشاء، ويَمنعها عَمَّن يَشاء، وذلك بحسب حِكمته البالغة ورحمته الواسعة، وهذا يَجعل القلب لا يَتعلق إلا به سبحانه، لأنّ كل شيئٍ بِيَده) .
الآية 22: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} يعني أرسلنا الرياحَ لتُلَقِّح السحاب فيَمتلئ بالماء (مِثلما يَحدث عندما تُنقَل مادة اللقاح مِن ذَكَر الشجر إلى أُنثاه) ، {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} أَعْدَدناهُ ليكونَ صالحًا للشُرب، كما قال تعالى: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} أي مالحًا {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} ؟، {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} : أي فأسقيناكم هذا الماء العذب (أنتم ومَواشيكم وأرضكم) {وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} يعني: وما أنتم بقادرينَ على تخزين هذا الماء وادِّخاره، ولا بمُنشئينَ له عندما تريدونه، ولكننا نُنشِئه لكم، ونُخَزِّنه لكم (في يَنابيع الأرض وغيرها) ، رحمةً بكم وإحسانًا، (ومِن رحمة الله بكم أنْ جَعَلَ خزائن الماء بِيَدِهِ وحده، إذ لو كان الأمْرُ بأيديكم، لأَعطيتموه لمَن شِئتم، ولَمَنعتموه عَمَّن شِئتم بحسب أهوائكم، فللهِ الحمدُ والمِنَّة) .
?فكُلّ هذه المنافع الضرورية لِلخَلق تدلّ على عناية اللهِ تعالى بمَصالح خلقه، وأنّه الإلهُ الحق الذي يَجب أن يُعبَد ولا يُعبَد غيره.
الآية 23: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي} مَن كانَ مَيّتًا (وذلك بخَلقه من العدم، ونفخ الروح فيه) ، {وَنُمِيتُ} مَن كانَ حَيًّا (بعد انقضاء أَجَله) ، {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} للأرض وما عليها.
الآية 24، والآية 25: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ} (وهُم جميع مَن ماتَ مِن البشر منذ آدم عليه السلام) ، {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} (وهُم الأحياء الآن، وكذلك الذين سيأتون إلى يوم القيامة) ، {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} جميعًا للحساب والجزاء، {إِنَّهُ} سبحانه {حَكِيمٌ} في تدبيره وقضاءه، (ومِن حِكمته أن يأمر عباده ويَنهاهم، ثم يُحاسبهم ويُجازيهم) ، {عَلِيمٌ} لا يَخفى عليه شيئٌ من أعمالهم.
الآية 26، والآية 27: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} - والمقصود به هنا: آدم عليه السلام (أبو البشر) - إذ خَلَقه اللهُ تعالى {مِنْ صَلْصَالٍ} أي مِن طين يابس (إذا نُقِرَ عليه: سُمِعَ له صوت) ، وهذا الطين اليابس خَلَقه اللهُ {مِنْ حَمَإٍ} أي مِن طين أسود {مَسْنُونٍ} : أي مُتغيرٌ لونه ورائحته بسبب مرور السنين عليه.
?وعلى هذا فإنّ الطِينة التي خَلَقَ الله منها آدم عليه السلام يكونُ ترتيبها كالآتي: (تراب - كما قال تعالى: {كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} - ثم وُضِعَ على هذا الترابِ ماءٌ فأصبح طِينًا، ثمّ تُرِكَ هذا الطين حتى تَغيّرَ لونه ورائحته فأصبح(حمأً) ، ثمّ تيَبَّسَ فأصبح صلصالا، ثم نفخ الله فيه من روحهً (، {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} - أي مِن قَبْل خَلْق آدم - {مِنْ نَارِ السَّمُومِ} أي مِن نارٍ شديدة الحرارة لا دخانَ لها.