الآية 12، والآية 13: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} يعني: كما أدْخَلنا الجحود في قلوب الأمم السابقة (عقوبةً لهم على استهزاءهم برسلهم) ، فكذلك نَفعل بمُشرِكي قومك، بسبب استهزائهم بك وتكذيبهم بالقرآن، إذ هم {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} : أي لا يُصَدِّقون بالقرآن (رغم وضوح حُجَّته وقوة بَيانه) {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} أي مَضت طريقةُ اللهِ في الأوَّلين، وهي إهلاكُ الظالمين إذا استمروا على تكذيبهم وعِنادهم، كما حدث مع عادٍ وثمود (وفي هذا تهديدٌ عظيمٌ لهم) .
الآية 14، والآية 15: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} أي على كفار"مكة" {بَابًا مِنَ} أبواب {السَّمَاءِ} {فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي فاستمَرّوا صاعدينَ فيه حتى يُشاهدوا ما في السماء مِن عجائب مَلَكُوتِ اللهِ تعالى، لَمَا صَدَّقوا، و {لَقَالُوا} تكَبُّرًا وعِنادًا: {إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أي مُنِعَتْ أبصارُنا من النظر الحقيقي فلم نُشاهد الملائكة، {بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} لأننا أصبحنا نرى أشياء لا حقيقيةَ لها، وهذه الآية كَقَوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا} أي مِن السماء {فِي قِرْطَاسٍ} أي في أوراقٍ {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} وتَيَقنوا أنه حق: {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} .
الآية 16، والآية 17، والآية 18: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} أي مَنازل تسير فيها الكواكب والنجوم والشمس والقمر، لِيُستَدَلّ بها على الطُرُقات والأوقات، وغير ذلك مِن مَصالح العباد، {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} أي زَيَّنَّا السماءَ بالنجوم لمن يَنظرون إليها، ليَتأملوا في قدرة اللهِ ويَعتبروا، {وَحَفِظْنَاهَا} أي السماء {مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} أي مَطرودٌ مِن رحمة اللهِ تعالى، مَرجومٌ بالشُهُب، حتى لا يَسمع كلامَ الملائكة في المَلأ الأعلى {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} : يعني إلا مَن استطاعَ أن يَختلس السمع من كلام الملائكة {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} : يعني فهذا يَلحقه شهابٌ مُضيئ يَحرقه، (واعلم أنّ الشيطان قد يُلْقي إلى الساحر بعضَ ما سَمِعَه قبل أن يَحرقه الشهاب) .
الآية 19، والآية 20: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} : أي جعلناها مُمتدة مُتسعة، وبَسَطناها لتستطيعوا العَيش فوقها {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} أي وَضَعْنا في الأرض جبالًا راسيةً لتُثَبِّتها، {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} يعني: وأَنْبَتنا في الأرض من أنواع النباتات والمعادن ما هو مُقدَّرٌ بمقدارٍ معلوم (بحسب حاجة العباد وما يُصلحهم) ، {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أي جعلنا لكم في الأرض ما تعيشونَ به من المَطاعم والمَشارب والملابس والمراكب (وغير ذلك من أنواع الرزق) ، {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} أي: وخَلَقنا لكم من الأولاد والخَدَم والبَهائم ما تَنتفعونَ به، وليس رِزقهم عليكم، وإنما هو على اللهِ رب العالمين.
الآية 21: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ} يعني: وما مِن شيئٍ مِن مَنافع العباد {إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} من جميع الأصناف، وقد كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ في دعائه: (اللهم إني أسألك مِن كل خيرٍ خزائنه بِيَدك، وأعوذُ بك مِن كل شَرٍّ خزائنه بِيَدك) ، {وَمَا نُنَزِّلُهُ} أي هذا الشيئ {إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} يعني إلا بمِقدار مُحَدَّد كما نَشاء، في الوقت الذي نُريد، بحسب حاجة العباد، وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ