جاءهم به صالح عليه السلام (ومِن ضِمنها الناقة) ، (وقد يكون المقصود بالآيات هنا: أنها الآيات المُرتبطة بالناقة، لأنها خرجتْ من صخرة، ولأنها كانت تقف أمام كل بيت ليَحلب أهله منها ما شاءوا وغير ذلك، ويُحتمَل أن يكون هناك آيات أخرى أعطاها اللهُ لصالح غير الناقة، واللهُ أعلم) ، {فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} لا يَتفكرون فيها، ولا يَعتبرون بها، {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} يَسكنون فيها {آَمِنِينَ} مِن أن تَسقط عليهم أو تُخَرَّب، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} : أي وقت الصباح مُبَكِّرين {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} : يعني فلم تنفعهم أموالهم وحصونهم في الجبال، ولم تدفع عنهم مِن عذابَ اللهِ شيئًا حينَ نَزَلَ بهم.
الآية 85، والآية 86: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} أي لم يَخلقهما سبحانه عَبَثًا، بل خَلَقهما للاستدلال بهما على كمال قدرته، وعلى أنه وحده الخالق الرازق الذي لا تجب العبادة إلا له، وليُعلِمَ عباده أنّ الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على أن يُحيى الموتى، وأنّ ذلك أهْوَنُ عليه مِن خَلْق السماوات والأرض، {وَإِنَّ السَّاعَةَ} التي تقوم فيها القيامة {لَآَتِيَةٌ} لا مَحالة، لِتُوَفَّى كل نفسٍ بما عملتْ، {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} : أي فتجاوَز - أيها الرسول - عَمَّا يقوله المُشركون في حقك، واعفُ عنهم عفوًا ليسَ بعده انتقام، (عفوًا لا يَترك بعده أثرًا في القلب من الحقد والغيظ على مَن أساء إليك) ، فـ {إِنَّ رَبَّكَ} الذي أمَرَكَ بهذا الصفح {هُوَ الْخَلَّاقُ} لكل شيء، {الْعَلِيمُ} بأعمال خَلْقه، وسيُعيدُهم كما بدأهم، ليُحاسب المُكلَّفين منهم ويَجزيهم بما عملوا، ويَجزيك على عفوك بما تَقِرّ به عَيْنك، ويَسعَد به قلبك، فاصبر واحتسب الأجر عند ربك.
من الآية 87 إلى الآية 91: {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ} يعني: ولقد أعطيناك - أيها النبي - {سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} وهي الفاتحة (إذ هي سَبع آيات تُكَرَّر في كل ركعة) ، {وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} يعني: وأعطيناك القرآنَ العظيم (وإنما ذَكَرَ الفاتحة أولًا - مع أنها من القرآن العظيم - لإظهار فضلها وشرفها، إذ هي أعظم سورة في كتاب الله، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم) (انظر صحيح سنن أبي داوود ج: 2/ 71) .
?فالقرآن - الذي أعطاهُ اللهُ لك أيها النبي - هو خيرٌ لك مِمَّا هُم فيه من المال والجاه، ولذلك فـ {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} : أي لا تنظر بعينيك مُتطلِّعًا {إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} : يعني إلى ما مَتَّعْنا به أصنافًا من كفار قريش مِن مُتَع الدنيا، فلا يَخدعْكَ ذلك، فإنَّ هذا كلُّه متاعٌ قليل، وسوف يَزولُ عنهم عن قريب، ثم يُعَذَّبونَ في جهنم وبئس المصير، {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} : أي لا تحزن على كُفرهم وتكذيبهم لك، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي تواضَعْ للمؤمنين واعطِف عليهم (ولو كانوا فقراء) ، فإنّ الخير فيهم وليس في أولئك الكَفرة الأغنياء، {وَقُلْ} لقومك {إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} : يعني إني أنا المُنذِر المُوَضِّح لِمَا فيه هداية الناس أجمعين، ومُنذِرُكم أيها المُعانِدون أن يُنزِلَ اللهُ بكم العذابَ الأليم {كَمَا أَنْزَلْنَا} أي كما أنزلَ سبحانه العذابَ {عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} وهم طائفةٌ من اليهود والنصارَى، قسَّموا التوراة والإنجيل، فآمَنوا ببعضها وكَفروا ببعضها، وأظهروا بعضها للناس، وأخفوا عنهم بعضها، فعاقبهم اللهُ تعالى، وهُم {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ} أي جعلوا القرآن أجزاءً، فآمَنوا ببعضه، وكفروا بما لا يُناسب أهوائهم منه، (وكذلك