-وكذا في إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لِمَا فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. [1]
-وأصل النظم: اقترب للناس الحساب. وإنما نظم التركيب على هذا النظم بأن قدم ما يدل على المضاف إليه وعُرِّف الناس تعريف الجنس ليحصل ضرب من الإبهام ثم يقع بعده التبيين، ولِما في تقديم الجار والمجرور من الاهتمام بأن الاقتراب للناس ليعلم السامع أن المراد تهديد المشركين لأنهم الذين يُكنَّى عنهم بالناس كثيرًا في القرآن، وعند التقديم احتيج إلى تقدير مضاف فصار مثل: اقترب حساب للناس الحساب، وحذف المضاف لدلالة مفسره عليه. ولما كان الحساب حساب الناس المذكورين جيء بضمير الناس ليعود إلى لفظ الناس فيحصل تأكيد آخر وهذا نمط بديع من نسج الكلام. [2]
-ودلت {في} على الظرفية المجازية التي هي شدة تمكن الوصف منهم، أي وهم غافلون أشد الغفلة حتى كأنهم منغمسون فيها أو مظروفون في محيطها، ذلك أن غفلتهم عن يوم الحساب متأصلة فيهم بسبب سابق كفرهم. والمعنى: أنهم غافلون عن الحساب وعن اقترابه. [3]
المطلب الثاني
الآية الثانية
{مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}
لما أخبر تعالى أنهم لا يُصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال" [4] :"
{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث} يعني ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكّرهم ويعظهم به.
(1) البحر المديد لأحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي الفاسي (4/ 324) دار الكتب العلمية-بيروت، ط-الثانية: 1423 هـ.
(2) التحرير والتنوير (17/ 9 - 10) .
(3) التحرير والتنوير (17/ 10) .
(4) تفسير ابن كثير (5/ 332)