ثم أعقب ذلك بقوله: (وإذا كانت هذه شهادة حافظ محدث لإمام من أئمة الحديث، وعلم من أعلام الحفاظ - في كتاب هو الأم في بابه - فلقد شهد له الجاحظ - وهو من هو في تراث العربية والإسلام، بل وفي تراث الإنسانية كلها - شهد لكل إبداعات القاسم بن سلام، مع خلافه له في المذهب الفكري، فالجاحظ معتزلي، وابن سلام من أهل الحديث، ولقد كان معاصرا له، خبيرا - لموسوعيته؛ بآثاره الفكرية، عالما؛ لعلمه بأقدار العلماء؛ شهد الجاحظ لكل إبداعات القاسم بن سلام، فقال عبارته الجامعة: لم يكتب الناس أصح من كتبه، ولا أكثر فائدة [1] .اهـ.
والجاحظ إمام من أئمة العربية، ولكن ترجمه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد [2] ، والحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال [3] ، والحافظ ابن حجر في لسان الميزان [4] ، بما يدل على أنه كان من شيوخ الاعتزال، بل يجد الباحث في ترجمته في لسان الميزان ما يفيد بأنه قد وصم بالزندقة، فكان من الأحرى بالدكتور أن ينتبه لذلك!
وإعلاء الجاحظ لكتب أبي عبيد إن كان على الإطلاق، فهو مردود، لأن إبراهيم الحربي - وهو الذي وصف أبا عبيد بالجبل الذي نفخت فيه الروح - انتقد منهج أبي عبيد في تدوين كتاب الأموال، وضعفه في جانب الانتقاء لا في منهج التبويب، كما مر معنا، وإن حمل كلام الجاحظ على غير إطلاقه فيمكن أن يقال: إنه يعني ما كتبه أبو عبيد في علوم العربية، وهذا هو الأقرب للفهم.
نسأل الله لنا وللدكتور محمد عُمارة الهداية والرشد والثبات على صراط العزيز الحميد.
(1) مقدمة تحقيق الأموال (ص 15، و 16) ، وقد وثقها من دائرة المعارف الإسلامية، وهي في معجم الأدباء لياقوت (2/ 260) .
(2) تاريخ بغداد (12/ 212) .
(3) ميزان الاعتدال (5/ 300) .
(4) لسان الميزان (4/ 355) .