الصفحة 11 من 40

ويفهم من قوله هذا أن مجرد وجود النص في كتاب أبي عبيد يغني عن فحصه ونقد إسناده، لما لأبي عبيد من مكانة رفيعة بز بها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد! وهذا ما لم يدَّعه أبو عبيد - رحمه الله - لنفسه، إذ الرجل لم يشترط الصحة في كتابه هذا، بل لم يشترط هذا في أي من كتبه، وأسانيد كتابه هذا تضمنت كثيرا من الضعفاء، بل بعض المتروكين؛ ومنهم محمد بن السائب الكلبي، وهو متهم متروك، وخالد بن عمرو القرشي، وهو من الوضاعين الكذابين، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف جدا، وأبو صالح باذام، وهو ضعيف جدا، ومعاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، وابن لهيعة، ولا تصح روايته بأخرة، بل إن بعض أهل العلم أطلق القول بتضعيفها، وفي أسانيد الكتاب غير هؤلاء من الضعفاء، ومن المقبولين ممن لا يقبل تفردهم، وتضمنت أسانيد الكتاب كبار المدلسين، نحو بقية بن الوليد، وهو ممن لا تقبل روايته إلا بشرط، وعلاوة على ذلك فقد تضمنت أسانيد الكتاب رواة مبهمين!

ولقد سار أبو عبيد في كتابه على منهج أهل الرواية، فإذا ساق إسنادا فإن ذلك لا يعني أنه أصح إسناد للنص المنقول، سواء أكان حديثا مرفوعا، أو موقوفا، أو خبرا مقطوعا، إذ لم يشترط ذلك في كتابه، وهو كذلك لم يستقص أو يجمع الطرق، فربما روى الحديث والحديثين، في باب وردت فيه عشرات الأحاديث المسندة من طرق عدة أصح وأرفع مما أتى به، وإلى ذلك أشار إبراهيم الحربي، فقال: كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح، يحسن كل شيء، إلا الحديث؛ صناعة أحمد ويحيى [1] ، وكان أبو عبيد يؤدب غلاما في شارع بشر وبشير، ثم اتصل بثابت بن نصر بن مالك الخزاعي، يؤدب ولده، ثم ولى ثابت طرسوس ثماني عشرة سنة، فولي أبو عبيد القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة، فاشتغل عن كتابة الحديث، كتب في حداثته عن هشيم، وغيره [2] ، فلما صنف احتاج إلى أن يكتب عن يحيى بن صالح، وهشام بن عمار [3] ، وأضعف كتبه كتاب الأموال، يجيء إلى باب فيه ثلاثون حديثا، وخمسون أصلا عن النبي صلى الله عليه

(1) أي أنه لم يبلغ في معرفة الحديث ما بلغه الإمامان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ونحوهما، ممن يماثلهما في الطبقة، وهذا هو المعروف لدى أهل هذا الفن.

(2) هشيم بن بشير بن القاسم السلمي أبو معاوية الواسطي، وغيره من المتقدمين.

(3) وهما دون هشيم وأقرانه سنا وتثبا وضبطا ووثاقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت