ونلاحظ أن سيرورة التوازي كانت على نفس الوتيرة إلى أن وصلت إلى المرحلة الأخيرة التي اختلفت فيها الشخصية الثالثة عن مثيلاتها - على الرغم من اتفاقها معهم في كل الخطوات السابقة - وهذا ما يمكن اعتباره كسر لتوقع القارئ؛ لأن القارئ قد تم تزويده بعناصر متوازية ترسَّخ في ذهنه أن النتائج متشابهة بالضرورة، غير أن النتيجة النهائية كانت مفارقة للتوقع؛ وهو مما يبرز التباين بين البشر تجاه النعمة. وقد يكون (الأعمى) هو الأكثر بلاء، وهو مما يسوغ مخالفة ردة فعله عن ردتَيْ فعل صاحبيه، غير أن هذا ليس مبررا كافيا على كل حال؛ لأن القارئ - على كل حال من الأحوال - لم يكن في وسعه توقع الشخصيّة الإيجابية من بين هذه الشخصيات الثلاث، وإن اختلفت في مستوى المحنة التي تعرضت لها عن مثيلاتها.
على أن التوازي قد استطاع أن يمنح القصة أبعادًا جمالية تخدم القيم التربويّة التي يسعى الحديث إلى بثها، فالتوازي يبين لنا تباين ردود الأفعال عند تعرضها لضغوط واختبارات متشابهة، ولو أن كل شخصية من تلك الشخوص قد تعرضت لاختبار مختلف لما أمكن إبراز تباين ردود الأفعال على هذا النحو؛ لأننا قد نبرر تصرف الشخصيات - إذ ذاك - بمبررات تعود إلى طبيعة الاختبار الذي تعرضت له، وقد نلتمس العذر لشخصية ما؛ لأنها تعرضت لاختبار أشد قسوة، وما شابه ذلك، إلا أن التوازي قد أوقع في نفوسنا فكرة (العدالة الإلهية) بقوة شديدة؛ لأنه رسَّخ في نفس القارئ أن الشخصيات على قدر من المساواة في المحنة والاختبار، بل إن الاختبار الذي تعرضت له كل شخصية كان مماثلا بشكل تام لما تعرضت له بقية الشخوص.
وبناء على هذا كله نستطيع القول إن هذه القصة تكتسب قدرا كبيرا من جمالياتها، بل ومن قدرتها على الإقناع بمبدأ الثواب والعقاب - الذي يهدف إليه الحديث أخلاقيا- من خلال توظيف تقنية التوازي، وذلك كله فضلا عن الأبعاد الجمالية التي يقدمها التوازي، والتي تتيح للقصة قدرًا لا بأس به من التناسق والتوازن والإحكام.