الصفحة 4 من 22

"يرجع تاريخ الاستشراق في بعض البلدان الأوروبية إلى القرن الثالثَ عشرَ الميلادي، وربما كانت هناك محاولات فردية قبل ذلك، غير أن المصادر التي بين أيدينا لا تُلقي الضوء الكافي على الموضوع، وإن أشارت إلى بعض المستشرقين كأفراد، ويكاد المؤرِّخون يُجمِعون على أن الاستشراق انتشر في أوروبا بصفة جدية بعد فترة (عهد الإصلاح الديني) كما يشهد بذلك التاريخ في هولندة والدنمارك وغيرهما" [1] .

بدأ الاستشراق أكثر ما يكون تنظيمًا وانتشارًا واستمرارًا بالفاتيكان؛ لأن رجال الدين كانوا يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوروبا إبَّان عهد الإصلاح الديني، وكانوا بحاجة إلى التعمق في الدراسة العبرانية والعربية وغيرهما من الثقافات الشرقية، التي تمثل مهدَ الحضارة الإنسانية؛ وذلك لإعادة النظر في شرح كتبهم الدينية، ولمحاولة تفهُّمِها على أساس التطورات الجديدة التي تمخَّضتْ عنها حركة الإصلاح [2] .

وبمضي الزمن زاحَمَ رجالَ الدين مفكرون أحرار، دخلوا ميدان البحث والدرس والمعرفة، فدفعوا بالاستشراق دفعة قوية، واستحدثت المذاهب المتنوعة في العلوم والفنون والآداب، وخرجت الهيئات العلمية على سيطرة الكنيسة،"فأقر لويس الحادي عشر ملك فرنسا تدريس أرسطو بشرح ابن رشد في جامعة باريس، على الرغم من تحريم الفاتيكان إيَّاها بقرارات متواترة" [3] .

ثم قامت الثورة الفرنسية وشعارها:"اشنقوا آخر ملِك بأمعاء آخر قسِّيس"، فوضعت بذلك نهاية لتسلط رجال الدين على التفكير العام، وظهرت أفكار علمية حرة، وبدأت العقلية الغربية تضع معايير وقواعد للبحث العلمي، لتطبيقها على الدراسات المختلفة، لا فرق بين دراسات دينية، أو تاريخية، أو فلسفية، أو تطبيقية.

وهكذا تضاءل عدد المستشرقين من رجال الدين، إلى جانب الحشد الهائل من المستشرقين العلمانيين.

(1) محمد البهي، المرجع السابق، ص: 532 والمراجع التي أشار إليها.

(2) محمد البهي، المرجع السابق، ص: 533. نجيب العقيقي، المرجع السابق، جـ 1 ص: 113 وما بعدها.

(3) نجيب العقيقي، المرجع السابق، جـ 3 ص: 1159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت