فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 43

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم، ولم يكن سببه معصية: هي ترك واجب، أو فعل محرم، لم يحرم عليهم ; لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد، وإن كان سببه معصية، كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة، والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة، ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له الميتة، ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال، وحاله كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163] ، وقوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] وهذه قاعدة عظيمة ربما ننبه إن شاء الله عليها. [1]

وفى المحلى يقول أبو محمد بن حزم رحمه الله: مسألة: ولا يحل شيء مما ذكرنا لمن كان في طريق بغي على المسلمين أو ممتنعا من حق، بل كل ذلك حرام عليه، فإن لم يجد ما يأكل فليتب مما هو فيه وليمسك عن البغي وليأكل حينئذ وليشرب مما اضطر إليه حلالا له فإن لم يفعل فهو عاص لله تعالى فاسق، آكل حرام. برهان ذلك: قول الله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} وقوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} فإنما أباح تعالى ما حرمه بالضرورة من لم يتجانف لإثم، ومن لم يكن باغيا ولا عاديا [2]

وقال الزركشي في البحر المحيط: وهذا التردد الذي أشار إليه سبقه إليه إمام الحرمين في النهاية"وتردد في أن الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة؟ وقال في باب صلاة المسافر من النهاية": يجوز أن يقال: أكل الميتة ليس برخصة، فإنه واجب، ولأجله قال صاحبه إلكيا الهراسي في أحكام القرآن": الصحيح عندنا: أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، كالفطر للمريض في رمضان، ويتحصل بذلك في مجامعة الرخصة للوجوب ثلاثه أقوال. والظاهر أن الوجوب والاستحباب يجامعها، ولا يكون داخلا في مسماها والمندوبة"

(1) القواعد النورانية ص 205

(2) المحلى 6/ 108

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت