فبعض الناس إذا رأى المتمسك بدينه، المحافظُ على السنة قال له: لا تشدد وكن وسطًا، وهذا أيضًا من المفاهيم الخاطئة؛ لأن معنى ذلك أنك تقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله أنت بسنتك متشدد، لما ذا لم تكن وسطًا يا أبا بكر أويا عمر أو يا أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المتّبعين لسنته ؟ لا تشددوا وكونوا وسطًا، وهنا لا بد من أن تقال كلمةٌ في هذا الأمر .
أولًا: أن التمسكَ بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كاملة هو الحق وهو الوسط ، لأن سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليس فيها غلوًا ولا تقصير.
ثانيًا: إن الوسط ورد في القرآن في قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) ) (البقرة: من الآية143)
والمعنى: أن أتباع محمد- صلى الله عليه وسلم- هم وسط بين الأمم كاليهود والنصارى وغيرهم ، كما ورد الوسط أيضًا في منهاج أئمة السنة والجماعة، وذلك حينما يقولون أهل السنة وسطٌ بين الطوائف المنحرفة، والمبتدعة .
فمثلًا: في باب محبةِ أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هم وسط بين الروافض والنواصب ، وأيضًا في باب الإيمان ومسائل الأحكام هم وسط بين الوعيدية والمرجئة ، بين المتشددين منهم الغالين والمفرطين المقصرين ، وهم وسط في باب القدر بين القدرية والجبرية . وهكذا فهم وسط بين الطوائف جميعًا .
ثالثًا: أما ما يرد عند عامة الناس ونحوهم من قولهم: كن وسطًا في دينك ، فهذا فيه تفصيل ، فإن قُصد به ترك السنن وترك التزامها في العبادات والمعاملات واللباس غيرها ، فلا شك أن هذا باطل ؛ لأن الحق إنما هو الالتزام بالسنة .
أما إن وجّه إلى من غلا في ا لسنة وجاوز الحد فيها أو قّصر ، وقيل له: كن وسطًا ، فهذا صحيح ، لكن له أمثلة خاصة ، مثل ذلك الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال:"أنا لا أتزوج النساء" [1] نقول له: تزوج ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج فكن وسطًا ، ومثل ذلك الذي قال: ( أقوم الليل كله ولا أنام أبدًا ) نقول له: كن وسطًا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهؤلاء وأمثالهم: (( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي ، وأرقد ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ).
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري ( 5063) ، ومسلم ( 1401)