ولكنه كان يبادر إلى العفو عنهم، ولا يطلب منهم إلا معرفة الحق، والتبصر في الدين؛ قال - رحمه الله - عن إنصاف أهل السُّنَّة وشفقتهم بمخالفيهم: (أهل العلم والسُّنَّة لا يكفِّرون من خالَفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفِّرُهم؛ لأن الكفر حُكم شرعي، فليس للإنسانِ أن يعاقب بمثله، كمن كذَب عليك وزنى بأهلك، فليس لك أن تكذِبَ عليه وتزنيَ بأهله؛ لأن الكذبَ والزنا حرامٌ، لحقِّ الله، وكذلك التكفير حقٌّ لله، فلا يكفر إلا مَن كفره الله ورسوله) .
أما عن سمات الفِرَق الهالكة، فهي:
1 -بغي بعضهم على بعض، والتطاول في السِّباب.
2 -اختلافهم لأتفهِ الأسباب، وكثرة تفرُّقهم.
3 -اتباعهم لِما يهوَوْنَ حسبما تُمليه عليهم رغباتهم، وتكفير بعضهم البعض، وتكفير كل طائفة لِما عداها.
4 -تتبُّعهم المتشابه، وإثارة الخلافات حوله.
5 -بُغضُهم لأهل السُّنَّة، واختراع الألقاب الباطلة لهم تنفيرًا عنهم.
6 -بُغْض مذهب السلف، وتسميته بالأسماء والألقاب الباطلة.
7 -قَبولهم للروايات الكاذبة، وعدم تحرِّيهم النصوصَ الصحيحةَ.
8 -قَبولهم للأخبار التي لا يُصدِّقُها العقل، ولا تعضدها حُجَّة.
9 -عدم اهتمامهم - كما يجب - بالسُّنَّة النبوية، وتسلُّطهم عليها بالتأويل أو الردِّ، بحجَّةِ أنها غيرُ ملزِمة مثل القرآن.
الفصل الثاني عشر: ذكر أشهر أئمة أهل السُّنَّة ومؤلفاتهم في العقيدة
لقد يسَّرَ الله تعالى لحِفظ دِينه رجالًا وهَبوا أنفسهم لخدمة هذه العقيدة المباركة، ويسَّر لهم الأمور، ورزَقهم الذكاء والإخلاص، فنبغ منهم العلماءُ الفطاحل، أصحاب البيان والسحر الحلال، فكانوا جنودًا أوفياءَ لدِينهم، ما إن تظهر فتنة إلا ودفنوها، ولا صاحب بدعة أو هوى إلا وحذروا منه، فأقام اللهُ بهم حُجَّته على الناس، ومن الصعوبة بمكان حصرُهم هنا، وإنما نذكر ما يتيسر ذكره منهم كمثال على الثَّرَاء الفكري عند علماء السلفِ، ومن هؤلاء:
سفيان الثوري، ومسلم بن الحَجَّاج، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والأئمة الأربعة، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم الكثير ممن أَثْرَوُا المكتبات الإسلامية بمؤلَّفاتهم القيِّمةِ التي تشهدُ بإخلاصِهم وتوفيق الله وعونِه لهم.