وسذاجته إذا كان حاطب ليل؛ فلا تمييز ولا تمحيص، مع ما يوجد من الرغبة في الإكثار وقبول النفوس للوثائق والسير وراء الدعاوى والإشاعات من غير داع حتى ولا دليل.
(خصوصا وأن الميل الطبيعي للعقل الإنساني هو عدم الاحتياط والعمل في هذه المواد، التي لا غنى فيها عن الدقة المتناهية، على نحو مختلط مشوش، مما من شأنه أن يؤكد ضرورة التنبيه إلى مزالق الخطأ، صحيح أن الناس جميعا يقرون من حيث المبدأ بفائدة النقد، لكن هذه المسلمة من النادر أن نجد لها تطبيقا في الواقع العملي .. وحتى في أيامنا نجد أناسا مستنيرين يهملون وهم يستخدمون الوثائق لكتابة التاريخ، نقول إنهم يهملون اتخاذ الاحتياطات حتى الأولية منها ويسلمون من غير وعي بمبادئ زائفة، ذلك أن النقد مضاد للمسلك المعتاد، فالميل الطبيعي للإنسان هو إلى تصديق التوكيدات وترديدها حتى من ملاحظاته الخاصة، وفي الحياة ألا نسلم دون اكتراث وتحقق من أي نوع كان بالشائعات والمعلومات المجهولة المصدر الخالية من الضمان، وكل أنواع الوثائق الرديئة الضئيلة القيمة؟ ولابد أن يكون لدى المرء أسباب خاصة تحمله على أن يكلف نفسه عناء فحص وثيقة تتعلق بتاريخ الأمس وقيمتها، وإلا فإنها إن لم تكن غير محتملة إلى حد الفظاعة، وطالما لم ينكرها أحد، فإننا نبتلعها ونتمسك بها ونشيعها، مزوقين فيها عند اللزوم .. إن التاريخ شأنه شأن أية دراسة أخرى ينطوي على أخطاء واقعية تنشأ عن نقص في الانتباه، لكنه أكثر تعرضا من غيره للأخطاء الناشئة عن اختلاط الذهن الذي يؤدي إلى القيام بتحليلات ناقصة وعقد استدلالات باطلة .. ) (نقلا من كتاب النقد التاريخي لعبد الرحمن بدوي) .
وغير هذا كثير مما هو كامن في الصدور يمنع من ظهوره والتلفظ به الهوى والجهل، هذه وغيرها قد ذكر بعضها ابن خلدون في مقدمته، حيث قال رحمه الله تعالى:
(ولما كان الكذب متطرقًا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه؛ فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله.