الصفحة 13 من 49

وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذهبهم أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع منه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها- إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.

وقال الذهبي في معجمه المختصر: كان إمامًا متبحرًا في علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإِدراك، سيال الفهم، كثير المحاسن، موصوفًا بفرط الشجاعة والكرم، فارغًا عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه.

قلت: وقد عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين، ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل شيئًا من ذلك؛ قرأت ذلك بخطه.

قال الذهبي: ذكره أبو الفتح اليعمري الحافظ -يعني ابن سيد الناس- في جواب سؤالات أبي العباس بن الدمياطي الحافظ، فقال: ألْفَيتُه ممن أدرك عن العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه، ذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم يرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه.

وقد كتب الذهبي في تاريخه الكبير للشيخ ترجمة مطولة، وقال فيها: وله خبرة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه، التي انفرد بها، فلا يبلغ أحد من العصر رتبته ولا يقاربه، وهو عجيب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة، والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.

وقال: ولما كان معتقلًا بالإِسكندرية: التمس منه صاحب سبتة أن يجيز لأولاده، فكتب لهم في ذلك نحوًا من ستمائة سطر، منها سبعة أحاديث بأسانيدها، والكلام على صحتها ومعانيها، وبحث وعمل ما إذا نظر فيه المحدث خضع له من صناعة الحديث، وذكر أسانيده في عدة كتب، ونبَّه على العوالي، عمل ذلك كله من حفظه، من غير أن يكون عنده ثَبَت أو من يراجعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت