وقال الإمام الشوكاني في الآية:"أي إن تجتبوا كبائر الذنوب التي نهاكم الله عنها نكفر عنكم سيئاتكم أي ذنوبكم التي هي صغائر، وحمل السيئات على الصغائر هنا متعين لذكر الكبائر قبلها وجعل اجتنابها شرطًا لتكفير السيئات" [1] .
2 ـــــ قوله تعالى في مدح المؤمنين الأتقياء: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} .
وجه الدلالة: تدل هذه الآية بمقتضى بيان قوله: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} في الآية قبلها على أن المحسنين بأعمالهم من المكلفين هم (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) فاستثناء اللمم من كبائر الإثم والفواحش يدل بمقتضى قاعدة الاستثناء -وهي أنه يخرج من سابقه ما لولاه لدخل فيه- على أن اللمم ليس من كبائر الإثم والفواحش، فهو من الصغائر، وقد جاء تفسيره بذلك عن ابن عباس فيما رواه البخاري وقد أوردناه فيما سبق.
وقد نبه الله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) على أن إخراج اللمم واستثناءه من حكم المؤاخذة ليس لخلوه من الذنب فِي نفسه بل لسعة المغفرة الربانية وفي عطف الفواحش هنا على كبائر الإثم ما في نظيره في آية الشورى، وقد سبق.
على أن العلماء اختلفوا في المقصود باللمم على قولين مشهورين، قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"فأما اللمم فقد روي عن جماعة من السلف: أنه الإلمام بالذنب مرة، ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرًا: قال البغوي [2] : هذا قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس. والجمهور على أن اللمم ما دون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس، كما في (صحيح البخاري) [3] من حديث طاووس عنه قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) )"إلى أن قال رحمه الله:"والصحيح: قول الجمهور: أن اللمم صغائر الذنوب، كالنظرة، والغمزة، والقبلة، ونحو ذلك. هذا قول جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أبي هريرة وعبد الله بن مسعود، وابن عباس ومسروق والشعبي، ولا ينافي هذا قول أبي هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى: (( إنه يلم بالكبيرة ثم لا يعود إليها ) )فإن (اللمم) إما أنه يتناول هذا وهذا ويكون على وجهين،"
(1) ـ (( فتح القدير ) ) (1/ 457، 458) .
(2) ـ"تفسير البغوي" (4/ 311) ط. إحياء التراث.
(3) ـ رواه البخاري برقم (6243) .