فكان تبويب البخار رحمه الله إشارة إلى أن الحديث دال على مشروعية الكذب في هذه المسألة تصريحا وتلويحا.
ثم إن قول البخاري"باب الكذب في الحرب"فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص لمحمد ابن مسلمة في الكذب لا في قول الكفر، ولو كان البخاري يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له أن يقول ما شاء ولو كفرا لكان تبويبه تحت عنوان"باب الرخصة في قول الكفر في الحرب"لأنه لا يبوب دائما إلا بما يدل على المعنى الأعم للحديث، والبخاري فقهه في تبويبه كما هو معلوم.
وإذا ثبت أن كلام محمد ابن مسلمة هو من قبيل الألفاظ المحتملة فالقاعدة أن الألفاظ المحتملة لا يكفر بها إلا بعد تبين مراد المتكلم لأنه قد يقصد المعنى المشروع.
والأقوال والأفعال المحتملة هي التي ليست صريحة في دلالتها على الكفر، ودخول الاحتمال فيها يسقط الاستدلال بها على الكفر.
وقد بوب البخاري لها بقوله:"باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله".
فمن صلى إلى القبلة وأمامه شيء مما يعبد من دون الله كالنار والوثن مثلا، لايكفر حتى ينظر في قصده، هل قصد الصلاة لله تعالى أم لما هو أمامه؟
وهكذا من قال كلمة تحتمل الكفر وتحتمل غير الكفر فلا يكفر حتى ينظر في قصده فإن تبين بقرينة أو علامة عدم إرادته الكفر لم يجز تكفيره.
و من أمثلة ذلك ما ورد في حديث مسلم عن أبى هريرة قال:
(قال سعد بن عبادة يا رسول الله لو وجدت مع أهلى رجلا لم أمسه حتى آتى بأربعة شهداء؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نعم» . قال كلا والذى بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير منى» ) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر مقولة سعد:"كلا والذى بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك"على أنها رفض لأمر الله وإنما فسرها بشدة الغيرة.