"وكثير من الناس يلتبس عليه هذا الأسلوب -أسلوب الشورى الذي هو أسلوب الدولة الإسلامية- بأسلوب الديمقراطية، والديمقراطية كلمة يونانية في الأصل يقصد بها حكم الجمهور، أو أن يكون الحكم عاما يشترك فيه كل الناس، وهذه الفكرة تقتضي أن يكون الناس جميعا سواسية مشتركين في اختيارهم أسلوب الحكم واختيار من يحكمهم، وهذا مخالف للشرع، لأن الشرع حدد أسلوب الحكم كما ذكرنا وهو الشورى وحدد كذالك شروط الحاكم".
2 -قوله:
"وكانت الطبقة التي تختار من المؤمنين محصورة في أهل بدر، عددهم إذ ذاك الباقي منهم أقل من ثلاثمائة".
هكذا دائما الطبقة التي لها حق الاختيار في نظام الشورى طبقة محصورة العدد محددة الأوصاف، وليس ذلك خاصا بزمن الصحابة رضي الله عنهم، بل في كل العصور الإسلامية كان أهل الاختيار محصورون وهم أهل الحل والعقد، فنظام الشورى الإسلامي لا يعرف الاستفتاء الشعبي أو الانتخاب العام من طرف الشعب.
3 -قوله:
"وهم طبقة يرضى عنها المؤمنون جميعا وقد رضي عنها الله بنص كتابه وكذلك أهل بيعة الرضوان والباقون منهم أيضا فوق الألف بقليل، وهم طبقة رضي الله عنه بكتابه ورضي عنها المؤمنون ولا يمكن أن يُنازعوا وهم محصورون وعددهم يسير فإذا عرفت أصواتهم وجاءت أكثريتهم على أمر فهو شورى للمؤمنين، لكن بعد أن انتهت هذه الطبقات التي قد رضي الله عنها في كتابه ورضي عنها المؤمنون جميعا لم يبق للمؤمنين الآن طبقة مرضية عنها".
أهل بدر وأهل بيعة الرضوان كانوا هم أعلم الناس وأفضلهم منزلة وأجمعهم لشروط العدالة والصدارة في الدين، وكانوا بتوفر هذه الأوصاف فيهم يمثلون جماعة"أهل الحل والعقد"، وكانت منازعتهم ممنوعة لأنها منازعة لأهل الحل والعقد.
وكونهم مرضيا عنهم فهذا لايقتضي ضرورة لزوم الأخذ بقولهم، بل لا بد من توفر بقية الشروط مثل العلم والخبرة، ولو فقد فيهم وصف العلم مثلا لما كان اتصافهم بالمرضي عنهم موجبا للزوم قولهم لما علم من تحذير الشرع من ترئيس الجهال، وقد قال مالك:"إني لأتبرك بدعاء بعض الشيوخ ولا أقبل روايتهم".