وأما جدال المُحِقِّين، فمن النَّصيحة في الدِّين، ألا ترى إلى قوم نوح عليه السلام؛ حيث قالوا: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32] ، وجوابه لهم: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] .
وعلى هذا جرَت سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( جاهدوا المشركين بأموالِكم وأنفسِكم وألسنتِكم ) )، فأَوْجب المناظرةَ للمشركين، كما أوجَب النفقةَ والجِهاد في سبيل الله، وعلَّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وَضْع السؤال في موضعه، وكيفيَّة المحاجَّة في الحديث الذي ذَكر فيه محاجَّة آدم وموسى عليهما السلام ..."، إلى أن قال رحمه الله:"وقد تحاجَّ المهاجرون والأنصار، وحاجَّ عبدالله بن عبَّاس رضي الله عنهما الخوارجَ بأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما أنكر أحدٌ من الصحابة قطُّ الجدالَ في طلَب الحق". اهـ بتصرف؛ (الفقيه والمتفقه: 1/ 232 - 235) ."
-وعندما أتكلَّم عن الجدال، فالحديث سيكون عن النَّوع الثاني من الجدال؛ وهو الجدال المذموم، وقد نهى ربُّ العالمين في كتابه الكريم عن هذا النَّوع من الجدال وذمَّهُ، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... } [البقرة: 197] ، وقال تعالى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56] ، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] ، وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] ، وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] .
-أمور لا يجوز فيها الجدال:
1 -الجدال عن الباطل:
قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 107 - 109] .