فالخلاصة: أنَّ الجدال المذموم: عبارة عن قَصد إفحام الغير وتعجِيزه وتنقيصه، بالقَدْح في كلامه ونسبتِه إلى التهوُّر والجهل، وقد يكون الجدل هدفه ليس تخطِئة المتكلِّم؛ وإنَّما هدفه أن يَظهرَ المُجادِل بمظهر العالم، وصاحبِ الحجَّة والبيان.
وقد عَدَّ الذهبي رحمه الله الجدالَ من الكبائر، فقال رحمه الله:"إن كان الجدال للوقوفِ على الحقِّ وتقريره، كان محمودًا، وإن كان الجدال في مدافعةِ الحقِّ أو كان بغير علم، كان مذمومًا، وعلى هذا التفصيل تُنَزَّل النصوصُ الواردة في إباحته وذمِّه"؛ (كتاب الكبائر: ص 221) .
-وقال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله:"نظرنا في كتاب الله تعالى، وإذا فيه ما يدلُّ على الجدال والحِجاج، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، فأمر اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالجدال، وعلَّمه فيها جميعَ آدابه؛ من الرِّفق، والبيان، والتزام الحقِّ، والرجوع إلى ما أوجبَتْه الحُجَّة، وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46] ، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] ."
وكتاب الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف، فتضمَّن الكتاب ذم الجدال والأمر به، فعلِمنا علمًا يقينًا أنَّ الذي ذمَّه الله تعالى غير الذي أَمَر به، وأنَّ من الجدال ما هو محمودٌ مأمورٌ به، ومنه ما هو مذمومٌ منهيٌّ عنه [1] ، فطلبنا البيانَ لكلِّ واحد من الأمرين، فوجدناه تعالى قد قال: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56] ، وقال: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 35] ، فبيَّن الله تعالى في هاتين الآيتين الجدالَ المذموم، وأعْلَمَنَا أنَّه الجدال بغير حجَّة، والجدال في الباطل، فالجدال المذموم وجهان:
1 -الجدال بغير علم.
2 -الجدال بالشَّغْب والتمويه؛ نُصرةً للباطل بعد ظهور الحقِّ وبيانه، قال تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] .
(1) كالجدال في القرآن الكريم، وفي الله سبحانه وتعالى، وفي القدَر.