الصفحة 92 من 378

بعد صدق هذه الإشارة، فكان الروم أشد المحاربين عناد (1) .

تلك هي قصة جيش المسلمين الأول، الذي أنشأه وسهر على رعايته حتى أصبح جيشا لا يقهر، حقق وحدة، وأنشأ أمة، وحمي عقيدة، في حياة قائده و رائده، ومؤسس بنيانه، ومشيد أركانه، ومرسخ إيمانه.

وقد نشأ هذا الجيش في المسجد، وشب وترعرع في المسجد، واستوي على ساقه في المسجد، وتلقى تعاليمه في المسجد، فقد جعل الله الأرض كلها مسجد.

وفي المدينة المنورة، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، انطلق المجاهدون للدفاع عن الإسلام، ثم انطلق جيشهم لحماية حرية نشر الدعوة، ثم اندفع لصيانة الكيان الإسلامي، ثم تكفل بحماية الدولة الإسلامية، ثم نهض بأعباء الفتح أقوى ما يكون عزم و إرادة وتصمم.

لقد أسس بنيان هذا الجيش على تقوى من الله و رضوان، لذلك أحرز انتصارات باهرة لا تزال أعجوبة من أعاجيب التاريخ، وحقق فتوحات فة لا تزال باقية على الدهر، وصدق الله العظيم: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين) (2) .

والدرس الذي يمكن أن نستخلصه من بناء جيش المسلمين الأول، جيش النبي صلى الله عليه وسلم، هو أن الجيوش العربية والاسلامية على أسس رصينة من تعاليم الإسلام، لتتحلى تلك الجيوش بالعقيدة الراسخة والمعنويات العالية، وأن تحسن اختيار القادة المؤمنين حقا من ذوي الطبع الموهوب و العلم المكتسب والتجربة العملية، وأن تعد لها السلاح المتطور وندر بها التدريب المتكامل،

(1) الدولة الإسلامية و إمبراطورية الروم ص (41) .

(2) الآية الكريمة من سورة التوبة (1099)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت