للدعوة المحمدية خرجت منه دعوة من الدعوات.
فأذا كشفت فتنة الردة عن زيغ الزائغين وريبة المرتابين، فهي قد كشفت كذلك عن الإيمان المتين والفداء السمح واليقين المبين، فحفظت للناس نماذج للصبر والشجاعة والايثار والحمية تشرق بها صفحات الأديان، وجاءت الشهادة الأولى على لسان رجل من أصحاب طلحة الاسدي. سأله: «وينگم! ما يهزمكم؟ فقال له: «أنا أحدثك ما يهزمنا. انه ليس رجل منا الا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وانا لنلقي قومان كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه! (28) .
فقد ارتدت طوائف من العرب ومنعت الصدقة، وقال قوم منهم: د نقيم الصلاة ولا نؤدي الزكاة،، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه (29) .
قال عبدالله بن مسعود: «لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما كدنا نهلك فيه لو لا أن الله من علينا بأبي بكر. أجمعنا على أن لا نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون، وأننا نأكل قرى عربية ونعبد الله حتى يأتينا اليقين، فعزم الله لأبي بكر على قتالهم؛ فوالله ما رضي منهم الا بالخطة المخزية أو الحرب المحلية. فأما الخطة المخزية، فان يقروا بأن من قتل منهم في النار ومن قتل منا في الجنة، وأن يدوا قتلانا، وتغنم ما أخذنا منهم وأن ما أخذوا منا مردود علينا؛ وأما الحرب المجلية، فأن يخرجوا من ديارهم (30) .
وعاد بعث أسامة، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وجنده معه ليستريحوا ويريحوا ظهورهم، ثم خرج فيمن كان معه. وناشده المسلمون، القيم وأبي وقال: «لأواسينكم بنفسي!، وسار إلى (ذي حسي) (31 أ)
(28) عبقرية الصديق (146)
(29) البلاذري (103)
(30) ابن الأثير (130/ 2)
(31 أ) ذو حسي": وقد وردت في معجم البلدان: حسا: واد بأرض الشرية من ديار عبس وذبيان: انظر التفاصيل في معجم البلدان"