الصفحة 49 من 303

تتجلى فقط فيما إذا كان فعل ما هادفا للتغيير أو ساعيا إلى الحفاظ؛ أما الأحكام الأخلاقية، على أهميتها، فهي شأن آخر. وهكذا يمكننا اعتبار أفعال الولايات المتحدة في فيتنام، والاتحاد السوفيتي في أفغانستان، سعيا للتغيير، بينما يعتمد السماح بالحكم الأخلاقي بشأنهما على ما إذا كان ثمة من يعتقد أن تقدم أو إعاقة انتشار الشيوعية هو الشيء الجيد.

وعلاوة على ذلك، على نحو ما سترى، أن الكثير من الدول التي تحددها نظريتا تحول القوة ونظرية استقرار الهيمنة بوصفها قوى الوضع القائم، أو قوى قانعة، ينظر إليها من خلال نظريتنا على أنها من ضمن أكثر الدول الساعية للتغيير في التاريخ، وتمثل بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والولايات المتحدة في النصف الأخير من القرن العشرين أوضح الأمثلة على ذلك. فربما فضلت الدولتان أو عملنا من أجل الحفاظ على قواعد النظام الذي يخدم مصالحهما (التجارة الحرة مثلا) ، ولكنهما كانتا منخرطتين في نشاطات عديدة صممت لتغيير الوضع القائم (متعدد الأبعاد) . إنه لمن الصعب النظر إلى مسألة اكتساب بريطانيا للمستعمرات كمحافظة على الوضع القائم على سبيل المثال، وعلى نحو مشابه، لا توجد اليوم دولة تحاول تغيير الوضع القائم بفاعلية مثل الولايات المتحدة الأمريكية: فالجهود الأمريكية لتغيير السياسات المحلية والدولية للعراق، والمفاوضات التي تهدف إلى تغيير سياسة الأمن لكوريا الشمالية، ليسا إلا مثالين واضحين فقط. إن الشيء المهم الذي علينا أن نتذكره هو أنه عندما تشير إلى دولة باعتبارها ساعية للتغيير أو للحفاظ على الوضع القائم، فإننا نشير إلى أفعالها التي يقصد بها التأثير على النتيجة بشأن قضية بعينها. ويجب ألا يختلط هذا بمفاهيم أخرى للوضع القائم والتي تحيل إلى فكرة أحادية البعد للسيطرة على النظام.

إلى هذا الحد، فقد طورنا افتراضنا الأساسي بأن الدول تسعى لإنتاج سلعتين، التغيير والحفاظ، من خلال سياساتها الخارجية، كما نفترض أن جميع الدول في جميع الأوقات تسعى لإنتاج مزيج يحوي بعضا من كل منهما .. و افترضنا بالإضافة إلى ذلك أن إنتاج سلع السياسة، مثل إنتاج أي سلعة، يحتاج إلى موارد. هذه الموارد يمكن أن تكون أي شيء يستخدم في السياسة الخارجية، النقود، السلع المادية، النفوذ السياسي، أو وقت وطاقة الدبلوماسيين. و نفترض أن هذه الموارد قابلة للإحلال بين السلع، بيد أن أي وحدة من هذه الموارد المخصصة لإنتاج سلعة واحدة لا يمكن استخدامها لإنتاج أخرى. إن الأفعال السياسية التي نحاول أن نفسرها بشكل نموذجي (مثلا، المبادرات باثارة نزاعات، تكوين التحالف، منح المعونات الخارجية، الاحتجاجات الدبلوماسية) هي المظهر الذي يمكن رصده لإنفاق هذه الموارد سعيا لتحقيق التغيير أو الحفاظ على الوضع القائم. سنقوم بشرح التباينات في هذه السياسات الخارجية المرصودة وذلك بتحديد أي سلعة (المبادرة بإثارة نزاع كمثال) يستهدف السلوك إنتاجها (وهي القضية التي سنعود التناولها لاحقا) ، ونقوم بتحديد العوامل التي تشرح قدر التغيير والحفاظ الذي تسعى إليه دولة ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت