ونسجل أيضا أننا لم نطلق أحكاما معيارية حول رغبات الدولة لتغيير، أو الحفاظ على جوانب مختلفة الوضع القائم. ونسلم ببساطة أن هذه الرغبات متجذرة في تفضيلات الدولة فيما يتصل بالقضايا ذات الأولوية. ونتقبل أن بعض هذه التفضيلات قد يكون غير أخلاقي وأنه من المناسب للدارسين والمواطنين أن يصدروا مثل هذه الأحكام. لكن موضع تركيزنا هو أن أخلاقية التفضيلات لا تتأسس فحسب على ما إذا كانت ستقوم بتغيير الوضع الراهن أو تحافظ عليه. لقد كان تفضيل الحفاظ على مؤسسة الرق غير أخلاقي، كما هو الحال بالنسبة التغيير الوضع القائم عن طريق استبعاد مجموعة عرقية معينة. وتتمثل النقطة المهمة في أن شرحنا لسلوك الدولة لا يعتمد على ما إذا كانت أولويات الدولة أخلاقية أو غير أخلاقية.
وأخيرا: لابد أن نؤكد أن فكرتنا عن الوضع القائم ليست فكرة ساكنة. إننا نقبل بأن الوضع القائم يتغير بشكل متواصل؛ ويحدث هذا بالنسبة لبعض الأبعاد (القضايا) أكثر من غيرها. ويعد القبول بفكرة ديناميكية الوضع القائم نتيجة للنظر إلى السياسة باعتبارها تحدث في عدد ضخم من القضايا. (11) وهكذا، فإن السلوك الهادف للحفاظ لا يكون موجها للمحافظة على جميع جوانب الوضع القائم؛ وإنما يهدف بالأحرى للمحافظة على بعض الجوانب التي يكون للدولة بعض السيطرة عليها من خلال سياستها الخارجية.
ويتطلب هذا أيضا أن نتناقش كيف يمكننا بالضبط تحديد ما إذا كان سلوك معين يعتبر سلوكا هادفة لتغيير أو يرمي للحفاظ. بينما يتسم هذا التحديد عادة بالوضوح، فإن هناك العديد من القضايا التي يصعب فيها أن نقرر شيئا بشأن الوضع القائم، وخصوصا أننا نسمح بديناميكية هذا الوضع. مثلا عندما مضت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الحرب ضد العراق في عام 1991 م، هل كان الهدف هو الحفاظ على الوضع القائم للكويت المستقلة أم كان التغيير الوضع القائم للعراق المسيطر على الكويت؟؛ نتناول هذا معتبرين الوضع القائم في قضية ما يشير إلى اتجاه معين (12) ويعد هذا مقبولا بشكل عام (وليس بالضرورة على المستوى العالمي) لتحديد توقعات الفاعلين بشأن قضية في المستقبل المنظور، والتوقع المقبول بشكل عام لا يتغير بفعل تقلبات النتيجة والتي تحدث حينما تصير القضية موضعا للخلاف. أي أن تغييرا ما يصير بمثابة وضع قائم فقط عندما يصبح مقبولا بشكل عام على إنه كذلك. وسوف نعرض بعض الأمثلة للتوضيح
أولا: يعد غزو العراق للكويت في عام 1990 م مثالا واضحا على السلوك الساعي للتغيير، لأن التغيير في القضية - من کويت مستقلة إلى كويت بسيطر عليها العراق - لم يکن مقبولا بشكل عام كوضع شرعي جديد قائم، وتعتبر أفعال الولايات المتحدة وحلفائها لتحرير الكويت سعيا للحفاظ. وبما أن الوضع القائم المقبول والمؤسس قد اشتمل على العراق الذي كان يقوده صدام حسين، فقد استمرت الولايات المتحدة في جهودها الحربية في محاولة لإسقاطه، الأمر الذي يعتبر سلوكا هادفا للتغيير