الصفحة 43 من 303

لن يتيح إنتاج نظرية سلسة. لذلك لن يكون فهم السلوك السياسي ممكنا ما لم نتمكن من التحليل والتعميم بشأن مبادلات الفاعلين السياسيين فيما يتعلق بالأشياء التي يرونها ذات قيمة، بيد أن الفهم يقتضي أن تختصر من القائمة غير المحدودة من المنافع التي يمكن للدولة أن تسعى لتحقيقها.

نبدأ نقاشنا لهذه المشكلة بالتأكيد على أن أي فاعل سياسي سيكون ويشكل نسبي غير راض بالوضع القائم فيما يتعلق ببعض القضايا؛ في حين سيكون قانعا نسبيا بهذا الوضع في قضايا أخرى. أي أننا نسلم بعدم وجود الجنة ولا الجحيم على الأرض، وأن كل فاعل سياسي يمكن أن يجد دائما أشياء كثيرة يريدها، ومع ذلك فطالما وجد هذا الفاعل فإن أشياء قد تكون أكثر سوءا، وانطلاقا من هذا الأمر نصل إلى فكرة جوهرها أنه بالنسبة لأي فاعل سياسي سوف تكون بعض سلوكياته مكرسة لتغيير الأشياء التي لا يرغبها، وسيكون بعضها الآخر مکرسا للحفاظ على عناصر الوضع القائم الذي يبتغيه. ففي الشكل رقم (201) ، على سبيل المثال، من الواضح أن الفاعل زيود تكريس طاقات سياسته نحو تخفيض النفقات العسكرية ل أوالحفاظ على مستوى الرسوم الخاصة به، بينما يحاول الفاعل 1 تخفيض رسوم. وبخصوص قضية النفقات العسكرية لة، على أي حال، ربما يحاول أن يبذل جهدا لزيادتها أو قد يكون لزاما على سياسة أ أن تركز على الحيلولة دون تناقصها.

ومتابعة لفكرة أن بعض سلوكيات السياسات الخارجية لأي دولة سيتم تكريسها لتغيير أوجه الوضع القائم التي لا ترغبها، وأن بعض سلوكياتها سيتم تكريسها للحفاظ على عناصر الوضع الراهن التي تبتغيها، نجد أنه من المفيد وصف الدول بأنها تسعى لإنتاج سلعتين (هدفين) من خلال سياساتها الخارجية. وينتج هذا النموذج الأبسط الممكن الذي لا يزال يجبرنا على أن نأخذ مبادلات السلع بعين الاعتبار. وتحدد قيمة السياسة الخارجية الأولى التي تسعي الدول إلى إنتاجها في"التغيير"والثانية في الحفاظ". وتعتبر جميع الجهود والموارد المكرسة باتجاه تغيير جوانب الوضع القائم موجهة نحو إنتاج"التغيير"، بينما كل الجهود والموارد المخصصة للحفاظ على جوانب الوضع القائم تعتبر موجهة نحو إنتاج "الحفاظ"."

وتتمثل الميزة الكبرى في هذا التصور المفاهيمي لهدفين (أو أكثر من هدف واحد) مركبين في أننا نجعل أخذ المبادلات التي يتوجب على الفاعلين القيام بها في قراراتهم السياسية في الاعتبار أمرا ممكنا. و يجعل هذا الأمر المعالجة سهلة جدا لشرح الأفعال التي تبدو معقدة من وجهة نظر الواقعيين أصحاب منظور الهدف الواحد. (10) ولتأخذ في الاعتبار غزو العراق للكويت في عام 1990 م على سبيل المثال. وإذا افترضنا أن الدول تسعى فقط لتعظيم أمنها، فإن شرح الحدث يجب أن يكون شرحا ملتوية تماما. أو ربما نكون مجبرين أن نعتمد على مقولة إن صدام حسين كان رجلا مجنونة (على أن نفهم ضمنيا أن مثل هذه الأحداث لا يمكن شرحها، ناهيك عن التنبؤ بها) . يقدم نموذج السلعتين شرحا أكثر عقلانية حيث يسمح بإمكانية وجود فاعل راغب في أن يضحي بالحفاظ على الوضع القائم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت