الصفحة 163 من 303

الغربية غير الشيوعية. وريما لم يكن ثمة هدف آخر للولايات المتحدة سوى إبعاد النفوذ السوفيتي عن أوروبا الديموقراطية التي تمت إعادة تأهيلها اقتصاديا. ولتحقيق هذا، كان الأمر يقتضي تغيير بعدين من أبعاد الوضع الدولي القائم ليتلاءم مع التفضيلات الأمريكية، وقد تم استخدام وسيلتين مختلفتين للقيام بذلك:

الأولى: أرادت الولايات المتحدة أن تمنع الجيش الأحمر السوفيتي من أن يأخذ من أقاليم أوروبا أكثر مما حظي به أثناء الحرب، حينما احتل معظم أوروبا الشرقية والجزء الشرقي من ألمانيا، بما فيه برلين. وقد تم تصميم هذا الهدف لحماية نتيجة موجودة؛ ومن ثم كان سلوكا هادفا للحفاظ على الوضع القائم بشكل واضح، ولتحقيق ذلك، احتفظت الولايات المتحدة بأعداد ضخمة من القوات العسكرية في ألمانيا والباقي في أوروبا، حتى بعد إنهاء التعبئة وقبل تشكيل الناتو في عام 1949 م (19)

الثانية: أرادت الولايات المتحدة إنعاش الاقتصاد الأوروبي بدول ديموقراطية مستقرة. وبصراحة، أرادت الابتعاد عن الموقف الذي كان سائدا في كل من عامي 1932 م أو 1938، حينما هددت النظم الشمولية بالسيطرة على القارة، أو عام 1945 م، عندما كان الموقف الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا الغربية في حالة انهيار. ولم يكن ثمة إستراتيجية أمريكية للسياسة الخارجية تتسم بالفعالية بدون أوروبا الغربية المزدهرة والديموقراطية (20) . ولتحقيق هذا، قامت الولايات المتحدة بمنح معونات تقدر بحوالي 12 بليون دولار للدول التي دمرتها الحرب في أوروبا الغربية من خلال خطة مارشال Marshall. وقد كانت حزمة المعونات الضخمة تلك مصممة لتوجيه عملية تطوير النظام السياسي والاقتصادي فيما بعد الحرب في أوروبا بطريقة تتوافق مع تفضيلات قادة الولايات المتحدة. بيد أن خطة مارشال كانت في الأصل معروضة على الدول الشيوعية حديثة النشأة في شرقي أوروبا، بل والاتحاد السوفيتي ذاته، غير أنه لم يلبث أن تم تحويل العرض بشكل مفاجئ، ذلك أن القادة الشيوعيين لم يكونوا راغبين في تکامل اقتصاديات دولهم مع تلك الاقتصاديات الرأسمالية في أوروبا الغربية، وفي مرحلة ما بعد الحرب مباشرة، تم تحقيق حماية أوروبا الغربية، بمعنى الحفاظ على المنطقة خالية من النفوذ السوفيتي المباشرة من خلال استخدام القدرة العسكرية الأمريكية، سواء بالتهديد أو بالاستخدام الفعلي. وفي المقابل، تم تحقيق التغيير في الموقف الاقتصادي والاجتماعي من خلال منح معونات ضخمة.

ونقدم أمثلة إضافية قليلة لاستخدام المعونات كسياسة هادفة للتغيير. فخلال الحرب الباردة، قام الاتحاد السوفيتي بمنح قدر ضخم من المعونات الاقتصادية لدول أفريقية عديدة، وبخاصة إثيوبيا وتنزانيا. وشجعت هذه المعونات تلك الدول على أن تقوم بتأميم اقتصاداتها وأن تدخل في علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، وأن تقوم بتوفير احتياجاته من المواد الخام، هذا فضلا عن مجال للنفوذ في أفريقيا. وقد استخدمت اليابان المعونة الخارجية لتحسين مكانتها الدولية طوال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (21) . معطية قدرة ضخمة من المعونات، حتى مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت