التاريخي، كانت تدل على أن الحكومة البريطانية كانت مسئولة عن انحدار السودان إلى الهمجية، وأن السودان لم يكن يجرى الاحتفاظ به فقط لمصر، وإنما كان يمكن الاحتفاظ به أيضا لو سمح للحكومة المصرية باتباع أساليبها ووسائلها الخاصة. لقد بذل الجنرال غوردون جهدا كبيرا لنشر هذه الفكرة. يوميات هذا الرجل عامرة بالتصريحات والأقوال التي تلقي بمسئولية التخلي عن السودان على عاتق الحكومة البريطانية. وأنا أؤكد أن وجهة النظر هذه خاطئة تماما. باستثناء خطا واحد، هو أنه لم يجر استعمال حق النقض في حملة هكس، وان الحكومة البريطانية لم تكن مسئولة بأي حال من الأحوال عن ضياع السودان. كانت الحكومة البريطانية مسئولة عن إجبار الحكومة المصرية على الاقتراب من مواجهة الحقائق، وقد تملت الحقيقة الرئيسية - في أنه بعد هزيمة جيش الجنرال هكس، أصبح السودان في حكم الضائع من مصر، ولم يكن هناك أمل في استرجاعه إلا بعد الحصول على مساعدة خارجية تساعد على إعادة غزو السودان. هذه المساعدة الخارجية لا يمكن أن تأتي إلا من بلدين إنجلترا أو تركيا. وهنا نجد أن الحكومة البريطانية قد قررت عدم استخدام قوات بريطانيا العظمى في مسألة إعادة غزو السودان. وافق الرأي العام على ذلك القرار، وفا، على حد علمي، لم أعثر على أحد من أصحاب الخبرة الذين يمكنهم الكلام عن هذا الموضوع، وهنا يجب أن لا يغيب عنا، أنه لو كانت القوات البريطانية أرسلت إلى السودان في العام
1883 الميلادي، لاضطرت إلى البقاء هناك بأعداد كبيرة. يزاد على ذلك أن الحكومة المصرية لم يكن في وسعها، بحكم مواردها الخاصة
، الاحتفاظ بالسودان حتى بعد هزيمة قوات المهدي، هذا يعني أن ظروف المشكلة التي كانت تنتظر الحل، كانت مختلفة تماما عن تلك الظروف التي كانت سائدة بعد ذلك بثلاثة عشر عاما عندما جرى الإمساك بمسألة إعادة غزو السودان من