لهذا الأمر، وبهذه الطريقة، يكون الخديوي قد ألقي بنفسه بين ذراعي الباب العالي، ووقف موقف العداء المباشر للوزراء، لكنه أوضح للسير إدوارد ماليت (بتاريخ اليوم السادس من شهر مايو) ، أنه يفضل أن تخسر مصر بعض امتيازاتها على يدي الباب العالي، وأن يعاد تأسيس السلطة الحقيقية على استمرار فساد الحكم القائم حاليا".. أثار ذلك حفيظة الوزراء إلى حد بعيد. أبلغ رئيس المجلس السير إدوارد ماليت"أنه إذا ما ارسل الباب العالي امرا بإلغاء حكم المحكمة العسكرية على المسجونين الشراكسة، فإن الأمر لن بطاع، وأنه في حال إرسال الباب العالي مفوضين، فإنهم لن يسمح لهم بالنزول إلى أرض مصر، بل سيجري صدهم بالقوة إذا ما تطلب الأمر ذلك"."
كان موقف التحدي الذي اتخذه الوزراء المصريون، من الباب العالي، قائما بلا شك، ومرتکنا إلى حد كبير على اعتقاد مفاده، أنهم في مقاومتهم للتدخل التركي، يمكن أن يعتمدوا على المساندة الفرنسية. واقع الأمر، أنه
جرى على الفور التنويه إلى أن، رتبة عثمان باشا رفتي، تجعل التدخل التركي أمرا ضروريا؛ ونجد السيد/ م. دي فريسنييه يقول:"إنه كان مؤيدا للرأي الذي يقول بحتمية عفو الخديوي عن المسجونين على الفور بحکم سلطته الخاصة دونما انتظار لأي عمل من جانب الباب العالي"، وافق اللورد
جرانفيل على ذلك. وجرى بعد ذلك، إرسال تعليمات موحدة - تنصح للخديوى بهذا المعنى إلى الممثل البريطاني والممثل الفرنسي في القاهرة. عمل الخديوي بهذه النصيحة. وفي اليوم التاسع من شهر مايو، أصدر الخديوي مرسوما بتخفيف حكم المحكمة العسكرية على الضباط الأربعين بالنفي من مصر، ولكن ليس إلى السودان. أدى تخفيف الحكم هذا إلى زيادة الشقة بين الخديوي ووزرائه. أبلغ السير إدوارد ماليت يقول في اليوم الثامن عشر من شهر مايو:"إن العلاقات جرى قطعها بين الخديوي ووزرائه،"