الصفحة 1022 من 1372

استطيع القول إني رأيت الخطر بصورة أوضح من رؤية الوزراء في إنجلترا لذلك الخطر، ولهذا السبب كنت أود ارسال مسئول مصرى إلى الخرطوم، لكني لم أدرك ذلك إدراكا تاما كما ينبغي أن يكون.

وعليه، إذا كان من الخطأ إرسال أي رجل إنجليزي إلى الخرطوم، فإن الخطأ الأكبر كان يتمثل في اختيار الجنرال غوردون لإرساله إلى الخرطوم.

يحدث للسواد الأعظم من العاملين في الحياة العامة، أن تثير تصرفاتهم بعض الاختلافات في الرأي. أما أعمال الجنرال غوردون فكانت نادرا ما تخضع لهذا الشكل من أشكال النقد الصحي. اجتاحت إنجلترا في العام 1884 موجة من الإعجاب بغوردون. الطابع الشخصي لهذا الرجل، الذي كان نبيلا من نواحي كثيرة، وكذلك الظروف المحيطة ببعثته إلى السودان، والوضع الخطر الذي ترتب على وجوده في الخرطوم، ودفاعه البطولي عن المدينة، ووفاته المأسوية، كل ذلك كان يروق لخيال الناس، المفروض أن يكونوا باردين وعمليين إلى حد بعيد جدا، لكنهم، ربما على العكس من أهم الأمم الأخرى في أوروبا، تقتادهم عواطفهم (1) . لو حاول أي إنسان، طوال فترة الهياج الوطني هذه الحكم على سلوك الجنرال غوردون وتصرفاته، من خلال الأقوال الانتقادية التي تطلق عادة على تصرفات البشر، لما وجد اننا مصغية لتلك الأقوال، يزاد على ذلك أن وفاة الجنرال غوردون المأساوية أخرست صوت النقد، بعد فترة الهياج الوطني بحوالي أربع سنوات، کتب العقيد شيل لونج Chaile long)، الذي كان يشهر سيف العداء للجنرال

(1) اعتقد أن اللورد بيكونزفيد"هو القائل إن الإنجليز هم أكثر الشعوب الأوروبية"

عاطفية، ومعروف أن هذا الرجل كان مراقبا جيدا للطبيعة البشرية. كتب لى اللورد سالسبوري ذات مرة يقول: من السهل التعامل مع طاعون الماشية أو الكوليرا وليس من السهل التعامل مع المشاعر العامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت