فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 574

فور وصول الإثنوجرافي إلى الموقع تصبح مهمته التالية هي إقامة أواصر الصلة بينه وبين الناس الذين يريد دراستهم حتى يجيبوا عن أسئلته ويشعروا بالارتياح في وجوده فيتصرفوا على سجيتهم. وهنا يلجأ كل باحث إلى حنكته الشخصية في بناء العلاقات مع الناس بما يلائم شخصيته وطبيعة المجتمع الذي يدرسه. ويلاحظ أن توطيد العلاقات الشخصية في التعامل في الوقت الذي يتم فيه جمع البيانات أمر مرهق؛ إذ يقتضي العمل الميداني الموازنة الصعبة بين أن يكون الباحث حاضرة في المجتمع الذي يدرسه من دون أن يفرض وجوده عليه. ولكن كيف يكون الباحث على طبيعته، وفي الوقت نفسه أداة بحثية قوية؟ هل يظل متعدد الأوجه كما كان في موطنه الأصلي أم هل يتكيف مع الظروف الميدانية؟ وهل يحاول أن يتحكم في الناس من خلال الطريقة التي يقدم بها نفسه إليهم؟ وهل يضطر إلى التصرف بطرق معينة تضايقهم؟

عندما أكون في قلب العمل الميداني أميل إلى تقديم نفسي بحرص في محاولة للسيطرة

إلى حد ما على الطريقة التي يراني بها العارفون بشؤون هذا الميدان. وهذا ما يتطلب التحفظ في اختيار الملابس التي أرتديها وإعطاء صورة"الفتاة الطيبة التي تبين في سلوكياتها احترام الثقافة الأوزبكية، وبصفة عامة، لا تعبر عن أنوثتها، ولا تتحدى معتقدات أي شخص. أما لو تصرفت کا أتصرف بين أصدقائي في الولايات المتحدة، كأن أتساهل في استعمال اللغة أو في طريقة الملبس أو أشتد في التعبير عن آرائي النسوية، لكان لذلك وقع شديد الضرر على علاقتي مع الخبراء العارفين بالمجتمع الأوزبكي الذين كان معظمهم من الرجال متوسط العمر الذين يعيشون في مجتمع حديث، لكنه يميز بين الجنسين. ولم أكن لأنجح إطلاقا لو تصرفت کا أتصرف بين زملائي في بلدي حيث أحسن الحديث، وأرتدي الملابس المهنية اللائقة، وأؤكد على كوني خبيرة في مجالي. أما في ميدان البحث فلم أكن خبيرة، وكما يقول أي دليل للبحوث الميدانية فإن أفضل طريقة للتعلم من العارفين بشؤون المجتمعات المحلية أن يتخذ الباحث"مظهر الغريب"فيعبر عن فضوله إزاء الأشياء العادية جدا، ويلعب دور"العاجز المقبول"(Lotland and"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت