وتدمي أطرافه الجروح النازفة ثم لا تلبث أن تلتئم، خصوصا أن الحروب التي جرت سجالا بين الأقاليم كانت تنبع، أصلا، من قاعدة في الأخلاق، والسياسة الصينية ترى بأن هدف الحرب هو الوصول إلى الحل السياسي، وقصارى ما يسعى إليه القاتل هو التسوية
بإخضاع الأطراف المناوئة للقبول من بين اختيارات متاحة .. وليس بالإبادة أو التفرقة أو الاستغلال أو الاستعباد، فقد كانت الحرب، في الفكر الصيني، هي السياسة بوسائل أخرى، حتى قبل أن يقرر تلك المقولة"كلاوزفيتز"بما يقرب من ألفي عام .. لكن كيف؟
من يقرأ التاريخ الصيني القديم، يلاحظ أن معظم المدارس الفكرية نشأت - أو نشطت، في الواقع. في فترة من أكثر فترات التاريخ اشتعالا بالحروب والمواجهات بين الدويلات الصينية القديمة حتى ليقال بأن"المائة مدرسة فكرية"التي ترمز إلى التنوع الهائل في ساحات الجدل الصيني القديم بين اتجاهات الفلسفة المختلفة تشكلت كلها على وجه التقريب، في الفترة الممتدة من العصر التاريخي المسمى ب"الربيع والخريف (770 ق. م.) إلى العهد الذي يطلق عليه"الدول المتحاربة" (470 - 221 ق. م.) وهي الفترة التي تحققت في نهايتها وحدة الصين الكبرى في كيان شامل إبان عهد تشين (221 209 ق. م.) (ليس صحيحا، تقريبا، أن اشتعال الحروب بين دويلات أمة واحدة كان سببا لفنائها، ولم يحدث على مر التاريخ في الصين أن تبدد الإيمان ببقاء الأمة أو باستمرار الكيان الحضاري الذي صنعته الأجيال، لم يكفر أحد بمواريث الوحدة ولا بهويته برغم عهود النزاع والصراعات الطويلة، لم يكفر أحد بالأمة"