الصفحة 66 من 456

يبدو لك مقنعا. نشات وأنت تضحك على أفلام كرتون تصور اليهود بشعين، بدنا، ومعقوفي الأنوف، ورأيت رفاقك في المدرسة يضحكون على أشياء من هذا القبيل. إضافة إلى ذلك جرت تنشك اجتماعيا لتشعر بالنفور من اليهود، وكبقية أصدقائك تنظر إلى اليهود بوصفهم أشخاصا قذرين، وضيعين، وحتى أدنى من البشر. وهم لا يطابقون صورة الألماني النموذجي، ولا يشبهون في شيء الصورة النمطية للأشقر، المفتول العضلات التي تعلمت أن تحملها في ذهنك للشخص الآري النموذجي. ثم تلتحق بالشبيبة الهتلرية لأنه ينبغي لك ذلك، من ناحية، ولأنك تتعاطف مع الموقف أو الوضع الوطني المحيط بك من ناحية أخرى. وبعد هذا وذاك ليس أمامك وجهة نظر أخرى، فالجميع يفكرون بالطريقة ذاتها، أو هكذا يبدو.

غير أنك ربما لا تكون مقتنعا في قرارة نفسك بتلك المحاولات المهينة التجريد البشر من إنسانيتهم. وربما لا يكون لديك اهتمام خاص باليهود أو قد يكون لديك بعض الجيران والأصدقاء منهم. صحيح أنهم يمارسون شعائر دينية مختلفة ويتبعون تقاليد مختلفة، ويرتدي بعضهم ملابس غريبة الشكل تعطيهم مظهرا مختلفا عن مظهرك، ولكنك لا تجد ذلك شيئا مستهجئا. وربما أنت لم تو ممارساتهم الثقافية المختلفة هذه كثيرا من التفكير. وفي الوقت ذاته أنت ترى نفسك شخصا حميد الأخلاق، يحمل قيما دينية حقة، وتقول لنفسك لا شيء يمكن أن يقودك إلى إيذاء غيرك من البشر ما لم يكن ذلك ضروريا للدفاع عن النفس،

ثم تنشب الحرب العالمية الثانية، ويتم تجنيدك في الجيش الألماني، ويتبين لك أنك لن تذهب إلى الجبهة الروسية، فتشعر بكثير من الارتياح. وعوضا من ذلك كلف جمع الأسرى اليهود وعائلاتهم في قطارات والإشراف عليهم. أما القطار الذي تتولى أمر الإشراف عليه اليوم فهو قطار متجه إلى منطقة تدعى داتخاو (Dachau) ، وأثناء تأديتك لهذه المهمة ترى العديد من اليهود يبكون وهم يقادون إلى القطارات - غالبيتهم من النساء والأطفال - ولكنك ترى بعض الرجال يبكون كذلك، وترى أمهات ينادين أطفالهن، وأزواجا ينادون زوجاتهم. يضايقك هذا الأمر في البداية، ولكنك تشعر بالضجر ونفاذ الصبر بعد حين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت