أما الباب الثالث والأخير، والذي يشمل الفصول من 12 إلى 17، فهو أكثر إمبيريقية من حيث إنه يتناول ظواهر خضعت للدراسة العلمية القائمة على الأدلة الملاحظة. وسنحاول فيه جمع الموقفية والنزوعية معا، ولو بصورة أولية، ثم نقوم باستخدام هذه الوسيلة المفهومية لتصنيف النظريات التي حاولت تفسير الظواهر المدروسة. فالفصل الخامس عشر مثلا يسأل إذا كان بالإمكان اعتبار مرتكبي الأعمال الإرهابية أفرادا أسوياء، نفسيا؟ من حيث إن كثيرين يفترضون أن الإرهابيين لا بد من أن يكونوا غير أسوياء، على نحو ما، أو حتى مختلين عقليا. ولكن البحوث الحديثة عن سيكولوجية السلوك الإرهابي التي اجراها جون هورغان، وأندرو سيلك (John Horgan and Andrew Silke) وآخرون، أسقطت هذه النظرية الشائعة من الاعتبار إلى حد بعيد. كما أن محاولات اكتشاف الشخصية الإرهابية، أو (وسم جميع الإرهابيين بسمات غير سوية كالنرجسية) قد باءت جميعها بالفشل. لذا، فإنه لم يبق لنا سوى الاستنتاج الذي خرج به ملغرام لتفسير الإبادة الجماعية، وهو أن الناس العاديين يمكن أن يرتكبوا أفعال عنف متطرفة في ظروف معينة. والفصل الخامس عشر يتناول البحوث التي ترد الإرهاب إلى قوى موقفية وخصوصا ما يتصل منها بآليات سلوك الجماعة. كما أننا سنفحص في الباب الثالث نظريات القومية والصراع العرقي، والعنصرية وعدم التسامح السياسي، وسلوك الانتخاب، والأمن الدولي، ونسأل في كل حالة عما إذا كانت المقاربة الموقفية تقدم التفسير الأفضل للسلوك موضوع البحث أم المقاربة النزوعية. وأخيرا، نختتم نقاشنا في الفصل السابع عشر باقتراح طرائق نستطيع بها دمج الموقفية والنزوعية معا، ومناقشة الاستنتاجات المحتملة التي يمكن الخروج بها.
قوة الموقف
ربما سيكون من الصعب عليك أن تتخيل ما سندعوك إلى تخيله، لكن حاول، ففي ذلك اختبار لقدرتك على التخيل من جهة، وقدرتك على التعاطف من جهة أخرى. تخيل أنك شاب ألماني ترعرع في فترة الثلاثينيات وراي طوال حياته صورا تظهر اليهود على أنهم جشعون، وفاسقون، وأنانيون، وبشكل كان