الصفحة 73 من 290

السؤال المتعلق بما إذا وجدت المجتمعات العضوية في الواقع أم أنها من نسج خيالنا، يظل مفتوحا وقابلا للنقاش. لكن إذا وجدت، فقد كانت عرضة لأشكال من التنظيم الاجتماعي فهمت الواقع بصورة أفضل. وبالتالي، مهما بلغت جاذبية بعض ملامح وجوانب المجتمع العضوي بالنسبة لبعض الناس، إلا أنه لا يمثل خيارا مقبولا اليوم.

يولد التغيير، كما عرفته، عدم اليقين. هنالك طريقتان اثنتان للتعامل مع الشعور بعدم اليقين: إما أن نقبله أو ترفضه. الأولى تؤدي إلى نمط التفكير النقدي والمجتمع المفتوح، والثانية إلى نمط التفكير العقائدي (الدوغمائي) والمجتمع المغلق. لكل مقاربة محاسنها ومثالبها. استلهمت من كارل بوبر تشييد إطار من النماذج النظرية التي تقارن نقاط القوة ومواطن الضعف في المقاربتين كلتيهما.

في العالم المتغير، يواجه الناس سلسلة لا محدودة من الاحتمالات. أما الاختيار بينها فيعد وظيفة مفتاحية لنمط التفكير النقدي. وأعظم ميزة للعملية النقدية هي إمكانية توفير فهم أفضل للواقع مقارنة بالنمط التقليدي أو الدوغمائي. أما مثلبتها الكبرى فهي افتقارها إلى القدرة على إرضاء المسعى الباحث عن اليقين. في النموذج الذي وضعته، تفحصت كيف تشتغل العملية النقدية في بعض الميادين الرئيسة المساعي البشر، خصوصا العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية، والاقتصاد، والسياسة. وأفضل إنجاز لها يتحقق في العلوم الطبيعية، لكنها ليست على مستوى التوقعات في المجالات الأخرى. الأمر الذي يشكل مصدرا لخيبة أمل تدفع الناس إلى نمط التفكير العقائدي (الدوغمائي) ، الذي يعد النقيض المقابل للنمط النقدي: فهو يزود الناس بوهم اليقين ويشوه الواقع ويحرفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت