إن وجود تشكيلة متنوعة من الآراء ليس كافيا لتشييد الديمقراطية؛ فإذا تبنت فصائل منفصلة ومختلفة عقائد متصلبة (دوغمائية) ومتعارضة فلن تكون النتيجة نظاما ديمقراطيا بل حرب أهلية. وعلى الناس الإيمان بالديمقراطية كمثال: ينبغي أن يعدوا عملية التوصل إلى قرارات بالوسائل الدستورية أكثر أهمية من رؤية وجهة نظرهم تسود وتهيمن. ولن يستوفى هذا الشرط إلا حين تعطي الديمقراطية فعلا نتائج إيجابية.
تتبدى هنا علاقة دائرية: لا يمكن للديمقراطية أن تخدم كمثال نموذجي إلا إذا كانت فعالة ومؤثرة، ولا يمكن أن تكون فعالة ومؤثرة إلا إذا قبلت عموما كمثال نموذجي. ينبغي أن ترتقي هذه العلاقة عبر عملية انعكاسية تعزز فيها منجزات الديمقراطية الديمقراطية كمثال والعكس بالعكس. ولا يمكن فرض الديمقراطية بمرسوم أو فرمان.
التشابه مع العلم لافت ومذهل. فالموضوعية والفعالية المميزتان للمنهج العلمي تعتمدان أيضا على بعضهما بعضا. العلم يستند على اكتشافاته الكسر الحلقة المفرغة: فهي أبلغ من أي حجة للدفاع عنه. الديمقراطية أيضا تتطلب منجزات ونتائج إيجابية: اقتصاد متوسع، بواعث فكرية وحوافز روحية، نظام سياسي يلبي طموحات المواطن بشكل أفضل من الأشكال المنافسة للحكم.
الديمقراطية قادرة على تحقيق مثل هذه المنجزات. فهي تطلق وتحرر ما يمكن اعتباره الجانب الإيجابي للمعرفة القاصرة: الإبداع. ليس ثمة سبيل لمعرفة ما سينتجه الإبداع، ولربما توفر النتائج غير المتوقعة أفضل مبرر للديمقراطية كما تفعل بالنسبة للعلم. لكن التقدم ليس مضمونا.