الصفحة 256 من 290

جوهري بين المجالين: إذ إن مادة العلوم الاجتماعية انعكاسية بطبيعتها والانعكاس يدمر الفصل بين العبارة والحقيقة، والفصل هو الذي جعل العملية النقدية على هذا القدر من الفاعلية في العلوم الطبيعية.

يوجد الانعكاس بعض الصعوبات أمام العملية النقدية، وهي صعوبات تغيب في حالة العلوم الطبيعية. نحن بحاجة إلى تمييز مشكلتين مختلفتين بصورة واضحة. تتمثل الأولى في أن النظريات يمكن أن تؤثر في الموضوع الذي تتناوله. وتتجسد الثانية في أن الفهم القاصر للمشاركين يدخل عنصرا من عدم اليقين في الموضوع، مما يصعب الوصول إلى التوقعات والتفسيرات القابلة للتكذيب.

أصاب کارل بوبر في إصراره على أن النظريات بحاجة لأن تكون قابلة للتكذيب لكي تتأهل إلى مصاف العلم، كما أصاب في التوكيد على أن الماركسية لا تعد مؤهلة في هذا السياق. لكنه لم يلق شبكته على مساحة كافية. ولم يدرك أن الركن الأساسي لعلم الاقتصاد السائد، أي نزوع الأسواق المالية نحو التوازن، غير مؤهل أيضا. التوازن مفهوم معنوي مجرد مصمم على نموذج الفيزياء النيوتونية ومؤسس على افتراضات لا تسود في الواقع. ولذلك فإن الدليل التجريبي الذي يثبت أن الأسواق المالية لا تعرض نزعة متسقة ومطردة نحو التوازن، لا يدحض صحة النظرية.

لم تدرك الصعوبات المتصلة بالانعكاس بصورة جيدة. إذ قامت العلوم

الاجتماعية بمحاولات جاهدة وجدية لمحاكاة العلوم الطبيعية من أجل أن تنال السمعة التي رسختها. ومضت النظرية الاقتصادية على وجه الخصوص أشواطا بعيدة من أجل إنكار الانعكاس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت