المنهج العلمي
تشتغل العملية النقدية بفعالية أكبر في العلوم الطبيعية. إذ يوفر الواقع معيارا موثوقا للحكم على صحة أو صدق العبارات العلمية، وهنالك اتفاق عام على غرض التفكير والطريقة التي يفترض بالعملية النقدية أن تشتغل بها. ويعود ذلك إلى أن الطبيعة تعمل بشكل مستقل عما يفكر به الناس. أما أفضل طريقة لممارسة السيطرة على الطبيعة فهي فهم القوانين التي تحكمها. وبالتالي، لا يوجد تعارض بين البحث عن الحقيقة والمسعى لفرض الإرادة على الواقع. في الوقت ذاته، لا تخدم المعرفة العلمية غرض ترسيخ الحقيقة فقط؛ بل تساعد أيضا في شؤون الحياة. الصلة ليست واضحة لكن حالما تترسخ يتعذر مقاومتها. فالمدفع أشد قوة من القوس والسهم.
لربما استمر الناس في العيش سعداء معتقدين بأن الأرض مسطحة، على الرغم من تجارب غاليليو. أما ما جعل من المستحيل مقاومة حججه والاعتراض على براهينه فهو الذهب والفضة اللذان عثر عليهما في أمريكا. لم تكن النتائج العملية متوقعة: في الحقيقة، ما كانت لتتحقق لو انحصر البحث العلمي في إطار الأهداف العملية المجردة. لكنها وفرت الدليل القاطع على المنهج العلمي: لأن هناك واقعا، ولأن معرفة الإنسان به قاصرة، تمكن العلم من كشف أوجه معينة للواقع لم تخطر حتى في خيال البشر.
تمكن المنهج العلمي أيضأ من وضع وتطوير قوانينه وترسيخ قواعده وقناعاته التي اتفق عليها ضمنيا جميع المشاركين. تقر هذه القوانين بحقيقة عدم وجود فرد، مهما كان موهوبا ونابغة وأمينا، قادر على امتلاك فهم كامل؛ ووجوب إخضاع النظريات للاستقصاء النقدي من