الصفحة 390 من 578

رافق عبد العزيز في جولته الأوروبية، وترك انطباعا ممتازا، وقد أدى هذا الموقف وذيوع خبر اتصالاته السرية مع الليبراليين في المنفى، إلى أن يعامله السلطان بمزيد من الشكوك. وإجباره على حياة عزلة فعلية تحت المراقبة. وقد صار التوتر الناجم عن هذه الحياة والتعزى بشرب الكحول، يمثل الكثير بالنسبة لطبيعة مبتلاة بتشويش عصبي، وعند توليه مقاليد الحكم، كان مراد مهيئا بالفعل لأن يسير جيدا في طريقه إلى الاختلال العقلي.

ولقد وقعت صدمتان مؤسفتان، عقب اعتلائه العرش مباشرة، وتسببتا في الإجهاز عليه وإكمال انهيار عقله. كانت الصدمة الأولى هي موت عبد العزيز بصورة بشعة، عنيفة. فقد عثر عليه في قصر جراغان مقطوع المعصمين بعد يوم أو يومين من توليه الحكم. والصدمة الثانية هي قتل حسني عونى باشا والعديد من الوزراء الآخرين على يدي جركس حسن، وهو قائد المشاة الجركسي، والذي كان يتولى منصب الياور في معسكر الأمير عز الدين بن عبد العزيز، مما جعله يفقد عقله وسيطرته في اجتماع لمجلس الوزراء. لقد صدمت هذه الأحداث عقل السلطان الجديد، وأصبح عاجزا عن أن يظهر باي شكل علني أو يحضر اي مجلس من الأعمال العامة. تم استدعاء الدكتور ليدزيروف مرة أخرى، وهو من فيينا، كان قد فحص السلطان ودرس حالته، وأعلن أن حالته مستعصية (68) .

وفي خضم الحروب الخارجية والأزمة الداخلية سرعان ما صار هذا الموقف غير محتمل، وشرع الوزراء في التفكير بقدر من التردد، في إمكانية خلع السلطان. وكان الوريث التالي هو عبد الحميد الشقيق الأصغر لراد. وفي يوم 27 أغسطس 1879 ذهب مدحت لرويته عند قصر والدته الكائن في نيشان طاش، ليحصل منه على وعد مسبق بالتعاطف مع القضية الليبرالية. وتم إطلاع الأمير على مسودة الدستور التي اقترح الوزراء أن يقدموها، ووافق عليها وتعهد بمساندتها. وإذ تم هذا التمهيد حصل الصدر الأعظم من المفتي على فتوى بخلع السلطان على أساس من العجز العقلي. وفي 31 أغسطس أطيح بمراد التعيس، وأعلن عبد الحميد سلطانا بدلا منه. ويقال: إن نامق کمال قد توسل إلى مدحت، والدموع في عينيه لتأجيل خلع مراد، لكن دون جدوى (69) . واقتيد السلطان المخلوع إلى قصر جراغان، حيث توفي في عام 1904 بعد ثمانية وعشرين عاما في الأسر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت