وفي تلك الأثناء، أغلقت «المخبر» لصاحبها على سعاوي في لندن، وانتقل على سعاوي نفسه إلى باريس، وبدأ في إصدار صحيفة جديدة سميت باسم العلوم، واتسعت الهوة بينه وبين العثمانيين الشبان اتساعا شديدا، وعندما عادوا إلى تركيا بعد وفاة عالي باشا اختار هو البقاء في فرنسا، ولعله كان يقيم بدقة الظروف السائدة في تركيا، واستمر ينشر في «ليون» yon ا في باريس أثناء الحرب الفرنسية البروسية. إلى أن بدا التعبير في هذه الفترة، للمرة الأولى، عن فكرة «التوركلك» (الترکي) تمييزا لها عن فكرتي «إسلامه الولاء الإسلامي أو «عثمانلي» (العثماني) ، وقد أثار نشر تقريره، الذي وصل إلى تركيا من خلال قنوات مختلفة، بعض الاهتمام. يقول لطفي المؤرخ الرسمي متحدثا عن المخبر:
وكانت المجلة المذكورة، التي كانت تصدر كل أسبوع في لندن، يوزع العديد منها بطرائق مختلفة، وأحيانا من خلال رسائل التجار، وأحيانا بوسائل مجهولة، حتى وإن كان بعضهم غير ملم بمضمونها. وكان هدفها النهائي من هذا ترسيخ مبادئ الدولة، والوقوف على أخطاء الوزراء ورصدها، وربما تخويف عقول أوربا. وكان الإقبال عظيما جدا بين الناس على تلك النسخ إلى حد أنه يقال: إنها كانت تباع بأكثر من جنيه واحده (57) .
لم يرجع «على سعاوي» من المنفي مع بقية العثمانيين الشبان بعد صدور قرار العفو عام 1871؛ وعلى أية حال، فقد عاد إلى استنبول في الوقت المناسب ليموت بشكل درامي مثير، لكنه غير مؤثر في أحداث عام 1976.
وثمة منشق آخر يشغل الخير نفسه من الاهتمام، هو محمد بك (1813 - 1871 م) (58) كان من بين المنتمين إلى العثمانيين الشبان، وعلى سعاوي، فلم يكن رجلا عاديا من عامة الناس وإنما كان شخصا ينتمي إلى السراي والطبقة الحاكمة. وكان والده وزيرا لهيئة البريد، وعمه مصطفي نائلي الذي شكل الوزارة، وعمه الشهير محمود نديم باشا الذي تولى الصدارة عدة مرات في عهد السلطان عبد العزيز. وكان محمد بك من الأعضاء المؤسسين للجنة السرية الأساسية في استنبول، ووفقا لما يقوله البعض، فهو يمثل روحها المؤثرة، ونظرا لكونه أكثر راديكالية من العثمانيين الشباب، انفصل عنهم ونشر جريدة بعنوان (الاتحاد) باللغات الأرمينية والعربية واليونانية والتركية، ثم انتقل إلى جنيف