الصفحة 368 من 578

كان المسئولون الأتراك، الذين واجهوا مشكلة جديدة، قد تعلموا أساليب التاثير والسيطرة على الصحافة. ولكن الصحفيين الأتراك أيضا قد بلغوا الكمال، وفي وقت قصير جدا وبشكل ملحوظ، بتطورهم بداية من كتابة التقارير إلى التعليق، ومن التعليق إلى النقد، ومن النقد إلى المعارضة، ومن المعارضة إلى المواجهة.

المعارضة المنظمة، حركة العثمانيين الشبان (43)

أوجدت إصلاحات محمود الثاني وخلفائه نخبة إدارية حاكمة جديدة طموحة ومثالية ومثقفة في الإمبراطورية. وكان تحول الحكومة العثمانية والمجتمع قد وفر لهم فرصا جديدة وفتح شهيتهم، وملأت الترجمة وتقليد الكتابات الأوروبية عقولهم بالمعتقدات والأفكار الجديدة، ومن ثم لم تكن تفتقر في تعليمها إلى أيديولوجية أو تقنية المجادلات والثورة، عندما بدأت الحكومة المطلقة المتزايدة تدريجيا من السلطان ووزرائه تلقي بثقلها علي کواهلهم خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

من المعتاد أن نبدأ تاريخ حركة التحرر التركية المعارضة للاستبداد بالواقعة المعروفة باسم «قله لي» ، التي وقعت عام 1899. في تلك السنة خططت مجموعة صغيرة من المتآمرين الخلع السلطان عبد المجيد، وإن استدعى الأمر اغتياله، غير أنه اكتشفت المؤامرة، وتم

حبس الزعماء ونفيهم إلى آسيا، ويصف عدد من الكتاب الأوروبيين هذه المؤامرة الفاشلة بأنها تعد المحاولة الأولى لإدخال الحكومة الدستورية والبرلمانية. وعلى أية حال، فإن البحث الحديث أوضح أن المتأمرين لم يكن لديهم مثل هذا الهدف أو البرنامج في أذهانهم بالعكس، فقد رفضوا التنازلات التي قدمت بالفعل للمسيحيين، وكانوا يناهضون السلطان ووزراءه بدلا من أن ينهضوا من أجل مبادئ معينة، ومن ثم اهتموا بالظلم واعتداءات الحكومة على الجماعة الأرثوذكسية (44) .

كانت الأفكار الليبرالية والدستورية معروفة بالطبع في عهد الإمبراطورية العثمانية منذ عدة سنوات؛ فهي تظهر، ولو بشكل واهن، في كتابات صادق رفعت باشا، وكان لها بعض التأثيرات على الإصلاحات التي قام بها السلطان عبد المجيد ومصطفي رشيد باشا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت