الصفحة 356 من 578

النصوص المفضلة لدى الليبراليين الأتراك وغيرهم من المسلمين خلال القرن التاسع عشر. بل ذهب كمال إلى أبعد من ذلك، فقد حاول أن يوضح أن الدولة العثمانية نفسها قبل بدء الإصلاحات، قد مارست شكلا من أشكال الحكم النيابي. بل إن الانكشاريين كانوا بمثابة مجلس الشورى العسكري للدولة، حتى تم القضاء عليهم (31) .

مما لاشك فيه أن هذه المحاولات لربط المؤسسات البرلمانية الأوربية بالإسلام التقليدي كانت عرضة لانتقادات مدمرة من وجهة نظر الشريعة الإسلامية والفقه والتاريخ، وعلى أية حال، فقد نجحوا في الفوز بقبول ما هو أبعد بكثير من الحدود العثمانية، ونجحوا في إقناع جيل من المفكرين المسلمين الذين لم يعودوا قانعين تماما بالإسلام التقليدي، ولكنه ارتبط به بما يكفي لشعورهم بالحاجة إلى إعادة التأكيد وتبرير عقيدتهم وتراثهم في ضوء قيمهم الغربية المكتسبة حديثا، ويمكن ملاحظة آثار أفكارهم بعد ثورة تركيا الفتاة في الخطاب السلطاني الذي ألقي عند افتتاح البرلمان العثماني في 14 نوفمبر 1909، فقد بدأ السلطان بإشارة إلى الشكل البرلماني للحكومة الذي تنص عليه الشريعة و (32)

بالنسبة للشكل الفعلي للحكومة النيابية التي يمكن تبنيها، لم يتمكن نامق کمال آن يجد نموذجا في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ولكنه اضطر للبحث عنه في الخارج، ووقع اختياره على لندن. وعلى الرغم من أن معرفته وقراءاته الغربية كانت فرنسية أساسا، فإن باريس كانت تحت حكم نابليون الثالث خاضعة للحكم الاستبدادي المطلق تماما وفقا لميوله. ووفقا لرأيه، فالعثمانيون

استطاعوا أن يحكموا بشكل جيد للغاية في ظل دستور أكثر ليبرالية من فرنسا فالفرنسيون ذوو مشارب نارية للغاية، ويميلون دائما نحو التغيير، أساس أفعالهم هو العقل، ولكنهم يفسدون نتيجة ألف من الاستدلالات بدافع إحدى المغالطات الخادعة البراقة الجميلة في ظاهرها ... ومنذ قيام الجمهورية العظيمة، كانوا قد شكلوا ثلاثين أو أربعين شكلا مختلفا من الحكومة ... ومن جهة أخرى كان الشعب العثماني، وذلك بفضل جاذبيتهم الفطرية وهدوئهم، لا يبلغون حد خطر التطرف ... وخلال ستة قرون قمنا بالعديد من الثورات، وكان الحكام خلالها هم الذين يتغيرون، ولكن يظل شكل الحكومة قائما كما هو ... (33)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت