الصفحة 300 من 578

تركيا في مرتبة الدول المتحضرة ولها خصائصها. والتي كانت تدرك تماما قوة أوربا وثروتها وتقدمها مقارنة بما لديهم من تخلف وفقر وضعف. ويعرب ضيا باشا (18201880) عن هذا الوضع كذلك في قصيدة مشهورة، وهو يعد أحد الشخصيات الفكرية البارزة خلال القرن التاسع عشر، فيقول: >

مررت عبر أراضي الكفار ورايت المدن والقصور: تجولت في الممالك الإسلامية، فلم ارشيئا سوى الخراب (96) .

لكن عندما نتساءل حول الاعتقاد السائد بأن الإصلاحات كانت غير فعالة، وربما يمكننا أن نسال نحن أيضا عن اعتقاد له علاقة به، ويتمثل في مدى فائدة التأثير الذي قامت به وما قدمته من إصلاحات على من كانوا يعيشون قبل ذلك الوقت.

بالفعل في النصف الأول من القرن التاسع عشر، انطلقت بعض الأصوات المشكوك فيها. ولعل أكثر التعليقات الثاقبة هي تلك التي أدلى بها «أدولفوس سليد» ، وهو ضابط البحرية البريطانية الذي زار تركيا عدة مرات بعد عام 1829، واكتسب معرفة وثيقة باللغة والجلد والشعب، ووجه انتقاداته الأساسية الممثلة في أن الإصلاحيين قاموا بتدمير النظام القديم الذي لم يكن في حد ذاته شرا، ولكن على العكس كان يحوي الكثير مما صار موضع حسد؛

فقد كان العثماني حتى ذلك الحين يتمنع عادة بالامتيازات المحببة لدى الأحرار، التي كافحت من أجلها الأمم المسيحية زمنا طويلا إذ لم يكن يدفع للحكومة شيئا غير ضريبة ارض معقولة على الرغم من أنه كان عرضة للابتزاز الذي يمكن تصنيفه على أنه مبالغة في قيمة الضرائب، فهو لم يكن يدفع ضريبة العشر، بسبب أن الوقف كان يفي بتوفير معيشة رجال الدين الإسلامي. وكان يسافر حيث شاء وكما يحلو له دون جوازات سفر فلا ضابط يقحم عينيه عنوة وأصابعه القذرة بين أمتعته، ولا شرطة تراقب تحركاته، أو تتنصت على كلامه، وكان لبيته حرمة، ولم يؤخذ أبناؤه قط عنوة من بين يديه ليصيروا جنوا ما لم تكن الحرب تستدعي ذلك. ولم تكن نظرة طموحه تتعدى حدود الميلاد والثروة وقد يطمح أن يرتقي من أدنى الدرجات، دون وقاحة، إلى رتبة الباشا، وإذا كان يستطيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت