الصفحة 280 من 578

وفي عام 1850 اتخذت خطوة أكثر راديكالية تمثلت في صدور قانون رشيد باشا التجاري، وقد كان بصدد إعداده منذ بضع سنوات، غير أنه قد تاجل بسبب ابتعاده عن السلطة عام 1841، وكان سيطبق في المحاكم التجارية (72) . كان صدور هذا القانون بمثابة أول اعتراف رسمي في تركيا بنظام القانون والقضاء المستقل عن العلماء، والتعامل مع القضايا بصورة خارج نطاق الشريعة. ولا يعني مثل هذا الاعتراف شيئا جديدا في الإسلام. ولكنه، مع ذلك، كان خروجا جذريا عن الممارسات العثمانية السابقة، ونذيرا بقيام ثورة قانونية واجتماعية كاملة.

سقوط رشيد باشا: 1802

كان رشيد باشا قد عزله الرجعيون أكثر من مرة. وكانت أخطر انتكاسة حدثت له في عام 1802، عندما ألغى نظامه الجديد للإدارة المحلية بعد إقالته من الصدارة، ودخلت حركة الإصلاح برمتها إلى طريق مسدود، وفي العام السابق كان السفير البريطاني «ستراتفورد دي ريديليف» قد كتب في رسالة خاصة يقول فيها: لقد انتهت لعبة الإصلاحات الكبرى تماما في الوقت الحاضر» (73)

ولا شك في أن أحد الدوافع الملحة التي أدت إلى إصدار رشيد باشا لهذا البرنامج الإصلاحي الطنان هو الحاجة إلى كسب حسن النية والدعم من القوي الأوربية ضد محمد على في مصر الذي أحرز نجاحا كبيرا في اتجاهه نحو التغريب. وفي ضوء ذلك، كان بعض المراقبين الغربيين يرى التناقض المروع بين خط الكلخانة الشريف وحقائق الجوار المتدنية التي يفوح منها شيء من رائحة الورد، واستنتجوا أن عملية الإصلاح برمتها لا تتعدى كونها واجهة مزخرفة، ويقصد منها فقط خداع القوى الغربية، دون إجراء أي تغيير حقيقي في أوضاع تركيا. وعلى أية حال، فمن أجل اعتماد وجهة النظر هذه، يجب تجاهل مسار طويل من الأحداث الطويلة الممتدة منذ القرن الثامن عشر، والتي مهدت الطريق للإصلاح، وتجاهل استمرارية العمل بالمبادئ والمعتقدات الخاصة بالإصلاح في القرن التالي له، وتجاهل إيمان مصطفي رشيد باشا وغيره من رجال جيله الراسخ وتطلعاتهم لحظة صدوره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت