الطبقات المحصنة جيدا والمدعومة شعبيا سواء في العاصمة أو الولايات، والأهم من ذلك احتقار الإسلام القديم والعميق للكفار، ورفضه أي شيء يحمل أية علامة خاصة يرجع أصلها إلى الكفار.
لم يكن نموذج بطرس الأكبر مجهولا في تركيا، فقد استشهد به مورخ الوقائع عاصم كمثال يوضح كيف يمكن لبلد متخلف وضعيف أن يحصل على قوة وعظمة عن طريق استعارة وسائل الفرنجة (53) . وعلى أية حال لم يكن محمود قد اتخذ من بطرس نموذجا يحتذى، وإنما كان يرنو بإعجاب إلى سلقه سليم، وعزم على إتمام ما قام به من إنجاز، ووجه إعجابه نحو غريمه باشا مصر الذي يكرهه، والذي اتخذه نمونجا بحثه على التصميم بتحسين الأوضاع.
عندما تعرضت قوى الرجعية للضرب وأجبرت على الخضوع كانت لا تزال هناك مشكلة تتمثل في العثور على الرجال المناسبين لتصميم الإصلاحات وتطبيقها. كان السلطان نفسه، وهو رجل قوى الإرادة عنيد وعنيف، يجهل تماما كل ما يتعلق بالغرب، ولا زال هناك القليل مع الأسف، من مواطنيه الذين لا يختلفون عنه في ذلك. لقد دعا بطرس أعدادا كبيرة من الأوربيين الغربيين لمساعدته في إصلاحاته. ولقد منع التعصب الإسلامي محمود من دعوة حتى القليل من الأجانب، والاستفادة كثيرا من أولئك الذين جاءوا. بل لقد كانت معرفة اللغات الأوربية لا تزال نادرة، وهذه الفجوة عولجت تدريجيا بواسطة البعثات الخارجية ومكتب الترجمة في استنبول
هكذا، كان الرجال الذين في متناول محمود، قد أعدوا بشكل سيئ لتنفيذ المهام التي أوكلت إليهم. والأسوأ من ذلك هو نمو وانتشار الفساد في الخدمة المدنية الجديدة. وكثيرا ما سمعت الشكاوى من الفساد في ظل النظام القديم. وصارت أكثر انتشارا في ظل النظام الجديد. وقد ساعدت زيادة تكلفة المعيشة على النمط الغربي، واستمرار انعدام الأمن للممتلكات وحيازة الأراضي، والاضطرابات المالية المزمنة للوزارات الخاضعة للإصلاح وقبل كل شيء انهيار المعايير الأخلاقية التقليدية دون إيجاد بديل لها، كل ذلك ساعد على جعل جميع موظفي الخدمة المدنية الجدد موضع سخرية ومرتشين. كان يوجد في النظام القديم