الصفحة 254 من 578

على هذا، وما لبث أن انتشر من السراي إلى الباشوات ثم إلى الرتب المختلفة من المسئولين. وفي الوقت نفسه بدأت تظهر الكراسي والمناضد الأوربية بجوار الأرائك والوسائد من النظام القديم، وقبلت تقاليد الآداب الاجتماعية الأوربية. وبدا السلطان يستقبل الدبلوماسيين الأجانب وفقا للبروتوكول الأوربي وليس العثماني، وكان يقيم حفلات الاستقبال ويتجاذب أطراف الحديث مع ضيوفه، بل وذهب أبعد من هذا بكثير، فقد كان يبدي احتراما للسيدات. كان يوم الخميس وهو يوم العطلة، ولم يكن له خصوصية دينية، قد اقتبس من فرنسا وقبل في المكاتب الحكومية، وكانت صورة السلطان لا تزال معلقة على جدران إدارات الدولة، ما يثير قدرا أكبر من الدهشة (50)

كانت هذه التغييرات لا تزال بمثابة تغييرات شكلية فحسب، وكانت الشريعة الإسلامية ما زالت السائدة فوق كل شيء في الأمور الاجتماعية والأحوال العائلية، ولم تغير كثيرا أحوال الزواج والطلاق، والملكية والميراث، ووضع المرأة والعبيد، لم يحدث لكل ما سبق أي تغيير جوهري، وفي هذه المرحلة، لايبدو أن المصلحين كانوا يفكرون في اي نوع من الإصلاح في المؤسسات الدينية، يقول «صادق رفعت باشا» ل «ستراتفورد کاننج» في عام 1844: «في المسائل السياسية سوف نذعن لنصائح أوربا تماما. أما المسائل الدينية فنحن نحتاج لكل حريتنا، فالدين هو أساس قوانيننا. هذا هو مبدا حكومتنا؛ ولا يمكن لجلالة السلطان أن يمسها أكثر منا نحنه (51) .

رجال الإصلاح (52)

حاول السلطان في أثناء السنوات الثلاث عشرة الواقعة فيما بين تدمير الانكشاريين في 1829 ووفاته في عام 1839، تنفيذ برنامج للإصلاح واسع النطاق مثلما قام به بطرس الكبير في روسيا، بل كان أشد صعوبة، كان بطرس بالفعل أوتوقراطيا، أما محمود فكان لابد له أن يجعل من نفسه حاكما أوتوقراطيا، يستطيع التغلب على مقاومة التقاليد الإسلامية العثمانية القديمة الضاربة بجذورها المتأصلة في المجتمع والحكومة، ومعارضة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت