وإذ حرم العلماء من استقلالهم الذاتي في الشئون الإدارية والمالية، صاروا ضعفاء في مواجهة السلطة الحاكمة، وعجزوا عن مقاومة الإنتقام المتتالي لقدراتهم وسلطتهم ومكانتهم، ثم تحول بعد ذلك تعيين المدرسين والإشراف على المدارس والمدارس العشائية (العليا) إلى وزارة المعارف، ونقل تعيين القضاة والشئون القضائية إلى وزارة العدل، وبمرور الوقت عهدت صياغة الفتاوى إلى لجنة من الفقهاء المتخصصين تحت رئاسة «فتوي اميني» بباب المشيخة. وأصبح شيخ الإسلام نفسه موظفا ذا منصب حكومي له نفوذ فعلين يمكنه من أن ينال بعض الوظائف الاستشارية وأيضا يحظى ببعض المزايا الشخصية فحسب، ومن ثم، لم تكن أولى إدارات السلطان الجديدة للدولة وهي الحربية والأوقاف ومكتب شيخ الإسلام (باب المشيخة) ، بمثابة المحك لقياس التحديث، فهي تعتبر محاولة لتعزيز المكاسب التي تم الحصول عليها من قوى النظام القديم عن طريق تدمير الانكشاريين وجعل الجيش والعلماء عاجزين عن إحياء سلطتهم القديمة ضد السلطان، وبعد سنوات قليلة أحس محمود أنه قوي بما يكفي للهجوم على الباب العالي نفسه، أي الصدر الأعظم الذي كان على مدى قرنين من الزمان المقر الحقيقي للحكم العثماني. وفي عام 1830 تم تشكيل إدارتين، وهما
كخيا» و «رئيس أفندى» وهما وزارتان منفصلتان، على الرغم من وجودهما في نفس المبنى وتانيتهما نفس المهام والواجبات، وأطلق عليهما اسم وزارتي الأمور الملكية والأمور الخارجية على التوالي. وبعد ذلك بعامين أعيدت تسمية منصب الدفتردار القديم، وسمي وزارة الأمور المالية، وانضم الدفتردار نفسه إلى الصدر الأعظم وإلى رئيس أفندى بصفته الوزير، وفي 1837 م تم تغيير اسم وزارة الشئون الملكية وصار اسمها وزارة الشئون الداخلية، وفي العام التالي ألغي لقب الصدر الأعظم وأطلق على صاحب المنصب اسم رئيس الوزراء، وفي وقت لاحق أعيد لقب الصدر «الأعظم» (42) .
لا يكفي تغيير اسم الصدر الأعظم إلى رئيس الوزراء، وتغيير اثنين آخرين ممن يحملون ألقابا وزارية جديدة، لإقامة حكومة وزارية. وعلى أية حال، كان محمود يمهد الطريق نحو نظام للحكم يستند على مجموعات مرنة وقابلة للتبديل بدلا من أفراد أقوياء متحصنين. كانت بعض اللجان الاستشارية موجودة بالفعل في الأزمان السابقة. وقد استحدث