ومن الواضح، أن دعوة الوزير الأعظم وزملائه من الوزراء، وإلباسهم معاطف الفرو، وإمدادهم بالمكاتب، وبموظفين جدد يرتدون المعاطف الطويلة، لم يحولهم بين ليلة وضحاها"إلى إدارة في دولة حديثة، وعلى أية حال، كانت إصلاحات السلطان محمود الإدارية فعالة باي خال - على الرغم من أن تأثيراتها لم تفهم سوي من جانب عدد قليل من المعاصرين، سواء من الأتراك أو الغربيين"
كان الأهم هو انهيار التقاليد القديمة، من الحقوق والامتيازات الراسخة، ومن الموسسات ذات السلطة والمهابة المستمدة من الماضي بدلا من السلطان، وحلت محلها مجموعة أخرى من المؤسسات التي اعتمدت تماما على سلطة السلطان، لأنها لم تكن موروثة ولا مكتسبة
وجاءت التغيرات الأولى مباشرة بعد القضاء على الانكشارية، التي أفسحت الطريق هنا أيضا لمد سيطرة السلطان، ومن السلطتين الاثنتين اللتين تحدان من نفوذ السلطان في العاصمة، تم سحق الجيش القديم، وإخضاع العلماء. وأسرع السلطان في الإفادة من هذه الفرصة، ذلك أن السر عسكر وأتباعه صاروا نواة وزارة الحرب المدنية التي كانت حتى ثورة تركيا الفتاة، قادرة على الاحتفاظ بسيطرة الحكومة المركزية (القوات المسلحة) ومنع حدوث أي شيء مثل هبات الانكشارية المستمرة التي كانت مصدر رعب للسلاطين في الفترة السابقة (40)
تم ق اسم المقر السابق لأغا الانكشارية القريب من مسجد السليمانية إلى المفتي الكبير شيخ الإدم)، الذي امتلك بهذا الشكل وللمرة الأولى مكتبا وإدارة. وحتى عام 1829 كان شيوخ الإسلام يعقدون اجتماعاتهم ويصدرون فتاواهم في مقر إقامتهم. وكانت إيراداتها وموظفوها و موسساتها، مستقلة تماما عن السراي، فهي تابعة لسلطة منفصلة تماما عن السراي، وكان إنشاء مكتب وإدارة الشيخ الإسلام بمثابة الخطوة الأولى نحو بيروقراطية العلماء، والتي قوضت قوتهم الشعبية الفعالة، وأضعفت قدرتهم على نحو خطير - حتى في رغبتهم أحيانا - في مقاومة التغيير. وهناك سبب آخر، لا يقل أهمية، وهو خضوع الأوقاف السيطرة الحكومة (41)