كان الوقف نظاما إسلاميا قديما (33) ، وكان راسخا تماما في الإمبراطورية العثمانية. وكان في الأصل تخصيص قطعة من الأرض أو أية ممتلكات أخرى تدر دخلا لأغراض دينية. وبمرور الزمن تحولت الممارسة إلى تأسيس وقف عائلي لصالح ذرية منشئ الوقف، ضمانا ضد عدم الأمان الذي كان يكتنف حقوق الملكية. وفيما عدا السلطان، لم يكن ممكنا الأحد أن ينشي وققا سوى من أملاكه، وليس من أرض يحوزها على سبيل الإقطاع. أو من التزام الضرائب أو من ارض الأحباس وما شابه ذلك. ومن ثم كان من النادر نسبيا في المناطق الزراعية وكثيرا جدا في المدن وما حولها. وفي إستنبول وغيرها من المدن صارت معظم الفاكهة والخضراوات، والكروم والأعناب في المدينة وضواحيها المباشرة تقريبا، وفي الحقيقة أو بالاسم، أوقافة دينية لا يمكن تحويل ملكيتها أو انتزاعها. كان التحكم الفعال في هذه الأوقاف وعائداتها عادة في أيدي (متولى الوقف والجابي) أي ناظر الوقف والمسئول عن جمع موارده وعائداته، الذين كانوا ينتمون إلى فئة العلماء أو بينوا من قبلهم. المفتي الكبير وغيره من الأعيان، من علماء الدين أو من المدنيين، كانت لهم مجموعاتهم الخاصة من الأوقاف تحت سيطرتهم، وكل منهم وضع ترتيباته الخاصة للإشراف على الأوقاف، وكانت الأوقاف الأكثر أهمية توضع مباشرة أو بشكل غير مباشر تحت سيطرة المفتين أو القضاة، وبذلك تستمر مصدرا رئيسيا للقوة الاقتصادية للمؤسسة الدينية.
في سنة 1829 م، بعد ما تمت إزاحة الانكشارية من الطريق، استطاع السلطان محمود الثاني أن يوجه ضربته إلى هذه القوة، ظاهريا، بقصد إنهاء الفوضى في إدارة الوقف، ووضع الأوقاف كلها تحت ولاية واحدة، وأنشا إدارة جديدة (صارت وزارة فيما بعد) للأوقاف، ضمت نظارات الوقف الموجودة. ولكن على حد تعبير المؤرخ مصطفي نوري باشا، الذي كان هو نفسه وزير الأوقاف لفترة من الوقت: «بما أن بعض الوزراء كانت تتملكهم نزعة تحكم استبدادية وبعضهم كانوا جهلاء بمسائل مهمة في الشريعة، فإن إدارة الأوقاف غرقت في المخالفات (34) ، كان هدف السلطان محمود الثاني الوحيد أن يركز جباية عائدات الأوقاف وإنفاقها في يديه، بحيث يتلقاها من الجباة ونظار الأوقاف ويدفع منها