الصفحة 174 من 578

أوربا المسيحية. كتب فون نور بيلسدورف Von Knobelsdorf، القائم بالأعمال البروسي في القسطنطينية، في برقية له يوم 11 مارس عام 1793 أن السلطان الذي علم بهذه الجناية المنفرة كان متأثرا للغاية حتى إنه سقط مريضا، وأصابت الدهشة جميع من في الديوان وأيضا جميع البشر على أثر ذلك» (58) . وكون السلطان قد أصابه الهلع عند إعدام أخيه أمر يحتمل بقدر كاف بيد أن الموت العنيف الك كان مالوفا في القسطنطينية بحيث لا يثير الكثير من التعليق، ولم يكن إلغاء الملكية ليجذب الكثير من الاهتمام كان العثمانيون قد اعتادوا لعدة قرون على المؤسسات الجمهورية في البندقية وراجوزا، ولم يكن هناك ما يدعوهم للقلق من جراء إقامة الجمهورية، فما كان يثير الإزعاج حينذاك في الدوائر الحاكمة في القسطنطينية هي علمانية الثورة - والفصل بين الدولة والكنيسة، والتخلي عن جميع المذاهب الدينية، وعبادة العقل. وفي البداية قام الفرنسيون بمحاولة لكسب ود المسلمين من خلال التأكيد على رفضهم للمسيحية وإظهار تعاطفهم مع الإسلام مما أثار بعض ردود الأفعال، ولكن سرعان ما أبرك حكام الإمبراطورية، بمساعدة الروس والنمساويين، خطورة ما تحمله هذه الصداقة المعروضة على النظام الإسلامي التقليدي ومبادئه. كانت تلك المخاوف في محلها. فقد أظهر التاريخ اللاحق لمنطقة الشرق الأوسط جميعه، مدى قوة الإغراء الكبير في إيديولوجية غربية تنفصل عن الدين الغربي، ويمكن جمع بعض المؤشرات على درجة النجاح الفرنسي في هذه الدعاية من التلميحات بالغة العداوة تجاهها في المصادر العثمانية. وفي الوقت نفسه بدا معظم الأتراك يرونها خطرا على الرعايا المسيحيين للباب العالي اكثر من كونها خطرا على الأتراك أنفسهم.

ونظرا لأن فرنسا وتركيا كانتا في حالة من الحرب فإن ذلك لم يكن لصالح تواصل الأفكار الفرنسية مع الأتراك. ومع ذلك، فإن النجاح السريع والسهل لجيش عدده أقل من 30 , 000 فرنسي في أن يقهر ويحكم مصر لأكثر من ثلاث سنوات، قد أثر على الأتراك الذين انبهروا بتسامح الحكام الفرنسيين في مصر، وبموجب شروط السلام، انسحبت فرنسا من جزر البحر الأيوني، وكذلك من مصر، وبهذا الشكل أنهت فترة ولايتها القصيرة باعتبارها جارة للباب العالي، وأصبح صوت فرنسا الذي لم يعد يصيح باليونانية والعربية، مسموعا أكثر في إستنبول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت