الصفحة 146 من 578

وغالبا ما ينسب نجاح الأفكار الغربية في العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر إلى تقدم القوة المادية للغرب إلى ترسيخ التقوق الاقتصادي والسياسي، وأخيرا التفوق العسكري في معظم العالم الإسلامي. أما المسلمون، شانهم شان غيرهم، فكانوا يميلون إلى أن يستمعوا بقدر كبير من التعاطف والاحترام إلى من فضلهم الله بالقوة والثروة في هذه الدنيا، وكان النجاح الظاهر للغرب عاملا مساعدا دونما شك، إن لم يكن في الواقع شرطا مسبقا في جعل الأفكار الغربية مقبولة بالنسبة لهم. بيد أن هذا ليس تفسيرا كافيا. إذ إن عصر النهضة والكشوف قد شهد تقدما مسيحا عظيما في غرب المتوسط وفي آسيا الذي واجهته إلى حد ما قوة العثمانيين التي ما زالت هائلة، ربما يكون قد ترك بعض التأثيرات على المسلمين في المناطق التي تم غزوها، لفرض هذا القبول، كما لا يمكن للثروة والقوة الأوربية أن تفسر السبب في أن أفكار الثورة الفرنسية، أكثر من غيرها من النماذج الفكرية الغربية، قد حازت هذا القبول الواسع. والجاذبية الأولية لهذه الأفكار التي تم تعديلها فيما بعد لکي تستجيب للحاجات السياسية في الزمان والمكان - يمكن أن نجدها في نزعتها العلمانية، فالثورة الفرنسية أول انتفاضة اجتماعية كبرى في أوربا وجدت تعبيرا فكريا في مصطلحات غير دينية بالمرة. والعلمانية في حد ذاتها ليست لها جاذبية عند المسلمين، ولكن وجودها في حركة غربية لا مسيحية، بل ضد المسيحية كان جذابا بالنسبة للمسلمين، وكان انفصالها عن المسيحية قد تم التأكيد عليه بواسطة معارضيها الرئيسيين، ربما جعل العالم المسلم يأمل في أن يجد في هذه الحركة السر المراوغ للقوة الغربية، دون المساومة أو التفريط في معتقداته الدينية وتراثه.

وخلال القرن الذي أعقب تسرب هذه الأفكار الجديدة من أوربا أو ما يقرب من القرن صارت قنوات النقل أوسع وأكثر عددا، وقد صارت القطرة نهرا ثم تحولت إلى فيضان. وبينما حولت الثقافة المادية الغربية بنية المجتمع الإسلامي ومظهره: غالبا نحو الأسواء فإن الأفكار القادمة من الغرب كانت تؤثر سلبا على أسس تماسك الجماعة، وتخلق نماذج جديدة للهوية والولاء، وتقدم كلا من الأهداف وصياغات تطلعات جديدة. هذه الأفكار الجديدة يمكن تلخيصها في كلمات ثلاث: الحرية، والمساواة، وليس الإخاء؛ وإنما ربما عكسه، أي القومية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت