الصفحة 148 من 578

وقبل سنة 1800 م، كانت كلمة الحرية في لغات الشعوب الإسلامية مصطلحا قانونيا بصفة أولية، يعني عكس العبودية، وفي مسار القرن التاسع عشر اكتسبت معني سياسيا جديدا من اوربا، وقدر لها أن تكون صيحة الحرب في النضال ضد الاستبداد الداخلي والاستعمار الأجنبي على السواء، وقد تطلبت الحرية المنظمة وجود الدساتير والحكومة المنتخبة، وسيادة القانون وهذه بدورها تنطوي على سلطة علمانية وتشريع علماني، مع طبقة جديدة من المحامين والسياسيين، يختلفون عن فقهاء الشريعة الإسلامية ووكلاء الحكم الفردي في الأزمنة السابقة.

وقد مالت المساواة إلى أن تتخذ معنى مختلفا. فلم تكن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية تعد من المظالم الكبرى. ذلك أن المجتمع المسلم لم يعرف الحدود الاجتماعية الجامدة والامتيازات الطبقية التي عرفتها أوربا قبل الثورة؛ كما أن اقتصاده المتخلف قد حد من فرص اقتناء الثروة وإنفاقها على حد سواء، وبذلك حال دون نمو تفاوت صارخ بين الغني والفقير، وإلى حد ما، كان يمكن بناء جسر بين الاثنين بواسطة البناء التعاوني للمجتمع، والتقاليد الأخلاقية، وتراث الإحسان في الإسلام. ولكن إذا ما تم اللجوء إلى الفرد كان أثره قليلا، ولكن اللجوء إلى الجماعة كان مردوده أكبر، وسرعان ما ظهر طلب المساواة بين الأمم، في زمن ارتبط بالمبدأ الغربي الجديد عن تحديد المصير.

كان المفهوم الغربي عن الأمة باعتبارها كيانا لغويا، وعرقيا، وإقليميا، معروفا في الشرق الإسلامي، ولكنه لم يكن قط الأساس الأول لهوية الجماعة. كانت هذه أخوة الدين داخل الجماعة الدينية، التي تعززت بالولاء المشترك للأسرة الحاكمة. وحتى يومنا هذا فإن المفاهيم الغربية عن الوطنية والقومية لم تتخط أبدا النموذج القديم والواقع، أنه على الرغم من أن الولاء للأسر الحاكمة قد خبت قوته، فإن الولاء الديني في أيامنا هذه يبدي قوة وحيوية متجددة. وتاريخ حركات الإصلاح في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، يهتم أساشا بمحاولة المفكرين من ذوى التعليم الغربي أن يفرضوا نموذجا غربيا للتصنيف السياسي العلماني والتنظيم على الجماعة الدينية في العالم الإسلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت