الصفحة 92 من 352

بهذا المعنى، فإن الثورة الفلسطينية حققت كثيرة من أهدافها عندما نجحت في عرض قضيتها ضمن هذا المنظار. وبهذا المعنى، فقد فاجأت الغريم الصهيوني إلى درجة الإرباك في أولى مراحل النضال، ولم يسترجع سيطرته إلا بعد مجهود بحثي كبير (وقد أفردنا لهذا الموضوع ملحقا خاصا يعالج بعض خصوصيات هذه الثورة) . وبالشكل نفسه، فإن حزب الله قد نجح في كسب التأييد المطلوب عندما وصف تحركه بأنه لتحرير أرض احتلتها إسرائيل. وقد أدى هذا بالذات إلى التصنيف السلبي لتنظيم القاعدة، إذ لم تتضح لأحد الفوائد التي يجنيها أي كان من اكتساب هذا التنظيم أي شرعية. كذلك، فقد فشلت «داعش» في مسعاها، رغم نجاحاتها في أول طلعتها، لأنها لم تربط عملها بهدف مشروع يتوافق عليه الناس. ولهذه الأسباب بالذات كانت الثورة الفلسطينية حركة تحرير، وكذلك حزب الله، بينما يمكن تصنيف كل من «داعش» وتنظيم القاعدة بلا تردد في خندق الإرهاب.

وربما كان بالإمكان استنتاج الفارق الرئيسي بين المنظمة الإرهابية والتنظيم النضالي الوطني، وهو أن الإرهاب لا يبحث عن الشرعية، ولا يحاول الحصول على التأييد الدولي لقضيته على أساس الحقوق القانونية، بينما تطالب حركات التحرر بجلاء قوات الاحتلال وتسليم السلطة للإرادة الوطنية، وهذا ما يتعارف عليه المجتمع الدولي في مؤسساته (مثل الأمم المتحدة) . كذلك، فإن حركات التمرد في دول كثيرة ترفض استمرار حكم الدكتاتورية وتطلب إقالة الرئيس الذي يمعن في إطالة مدة حكمه، أو ينحدر في تصرفه إلى مستوى التوريث. وهناك حراكات تطالب بإلغاء الملكية. كلها تحركات سياسية تطالب بتنفيذ مبادئ يعترف بها المجتمع ويعتبرها شرعية. أما الإرهاب فمن الصعب تصنيف مآربه، بالذات لأن أهدافه تتعارض مع المنطق. فتنظيم القاعدة يريد إقامة دولة الإسلامية، لكنه لا يقبل نقاش أهدافه وطرائقه أو شرعية حكمه مع أي طرف؛ فهو يرفض منطق الآخرين، ولا يعترف إلا بمنطقه. لهذا السبب، فإنه يعتبر كل من لا يوافقه عدوة، وتعتبر فكره كفرة، والتخاطب معه، في منظاره، خروجا على الإجماع وعلى الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت